عندما يكتب تاريخ الصحافة في الإمارات يوماً بالتفصيل والدقة الضروريين، لإطلاع الأجيال المقبلة على ما شهده هذا الميدان المهم من ميادين التنمية والتحديث، فلست أشك في أن مجلة «الأزمنة العربية» ستحظى باهتمام استثنائي من الباحثين والدارسين على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.

 وباعتباري واحداً من القلائل من الصحافيين العرب الذين شاركوا في هذه التجربة الإعلامية الفريدة، ولا يزالون يواصلون العمل في الإمارات، يمكنني القول إن الجانب الأكثر أهمية على الإطلاق في مجمل إنجاز «الأزمنة العربية»، هو أنها وضعت شعارها المتميز الذي يتوجه إلى كل قارئ ليكون كاتباً، موضع التطبيق، وجعلت شباباً لم تكن لديهم أيّ تجربة على الإطلاق في عالم الكتابة، يستجمعون من الشجاعة والجسارة ما يجعلهم يمسكون الأقلام، ليخوضوا عباب الكتابة، وليركبوا مركب الكلمة، وليطرحوا آراءهم بجرأة واقتدار في قضايا بالغة الأهمية. سأسمح لنفسي هنا بتوجيه دعوة للكتابة، ولكن لأناس آخرين، هم من بقوا من أبناء جيلي، الذي يعرف تقليدياً لأسباب لم أفهمها قط بجيل «السبعينيين» عن تجربتهم في حرب أكتوبر.

أدعوهم للكتابة عن تلك الحرب أياً كان ما سيكتبونه عن دورهم فيها، سواء أكان عملاً توثيقياً أو جهداً تأريخياً أم مجرد انطباعات وذكريات وخواطر.

هذه الدعوة لم تأت من فراغ، ولا انطلقت من عدم، وإنما هي تنبع من عوامل عدة، ففي اعتقادي أن الكثير من جوانب هذه الحرب وحقائقها وأسرارها، لم يكشف النقاب عنه أيضاً، ولا يزال قدر هائل من الوثائق المتعلقة بهذه الحرب ينتظر أن يكشف النقاب عنه أيضاً، ولا يزال لغزاً محيراً ذلك الاختلال بين الأداء العسكري العربي البطولي، وبين الحصاد السياسي الذي أسفرت عنه الحرب في نهاية المطاف.

وهناك عامل بالغ الأهمية يطرح نفسه الآن وهنا، ويجعل من الكتابة عن حرب أكتوبر بأقلام من خاضوا معاركها، شيئاً مهماً وملحاً ولا يقبل التأجيل، وهو أن أعداداً لا يستهان بها من هؤلاء المقاتلين العرب، شرعوا يرحلون عن دنيا الناس الفانية، وكلامهم لا يزال مدفوناً في صدورهم، أو في أوراقهم غير المنشورة، أو في أدراج مكاتبهم، أو في ضباب ذاكرة يعتامها المغيب. يضاف إلى هذا أن أعداداً من هؤلاء المقاتلين القدامى، إما أنهم رحلوا عن عالمنا العربي بالهجرة، أو ارتحلوا عن أوطانهم بالصمت، أو غابوا عن العمل العام باليأس.

ولا يخفى على كل متابع للتطورات المتعلقة بأسرار حرب أكتوبر، أن الجديد مما يكشف عنه حول تلك الأسرار مستمد من الباحثين الأكاديميين الأجانب، الذين يعتمدون غالباً على تقارير وروايات إسرائيلية لا تفتقر إلى المغالطة والزيف والتلاعب بالوقائع، وفي أحيان كثيرة إلى الكذب الصريح.

إن النتيجة النهائية لهذا كله هي أن أجيالنا العربية الناشئة لا تكاد تعرف شيئاً يقينياً وثابتاً وواضحاً عن حرب أكتوبر، ولا تراها إلا عبر رواية عامة وضبابية تخلو من التفاصيل، وكأن هذه الحرب حدثت في آخر الدنيا، وكأن من خاضوها على الجانب العربي لم يكونوا بشراً مثلي ومثلك، حملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا إلى ساحات القتال، عاقدين العزم على ألا يعودوا إلا بعد أن يستردوا لأوطانهم كرامتها ومجدها وأرضها، وإنما مخلوقات غامضة، تشبه النحو الذي تقدم به هوليوود «الآخر» على أنه مجرد كائن غامض مجرد من الإنسانية والنبل.

هذه الأجيال العربية الناشئة من حقها، بل ومن واجبها أن تعرف حقائق حرب أكتوبر وأسرارها والأمجاد والتضحيات العربية فيها، وأن تدرك لماذا يشعر الكثيرون ممن خاضوا غمارها بخيبة الأمل إزاء الحصاد السياسي النهائي للحرب.

لهذا بالضبط نقول لمن شاركوا في هذه الحرب من المقاتلين العرب ولمن تابعوها ولمن اهتموا بها ولمن يكترثون بالأجيال العربية الناشئة: اكتبوا، حتى يعرف من لا يعرف بطولة المقاتل العربي وصموده ومجده، اكتبوا حتى يدرك أبناء الأجيال العربية الناشئة أنهم انحدروا من أصلاب أبطال حقيقيين، وأنهم ينبغي أن يكونوا على مستوى بطولتهم في مواجهة تحديات اليوم، أو على الأقل أن يحاولوا أن يكونوا كذلك.

من فضلكم.. اكتبوا من أجل أبنائنا ومن أجل غد أفضل لهم.