بعد نجاحها في ضبط مخزون العقيد معمر القذافي من الأسلحة الكيمائية، تنشغل قوات حلف شمال الأطلسي "ناتو" حاليا في تعقب ما يقدر بخمسة آلاف صاروخ أرض/ جو، هي من صفوة نتاج مصانع الحرب الروسية، قال الحلف إنها فقدت خلال الحرب على ليبيا نهاية الشهر الماضي.
طبعا، بما أن أوروبا تصدرت مشهد القوى الفاعلة في التدخل عسكرياً لتنفيذ القرار الأممي الخاص بحماية المدنيين الليبيين، فإن أروقة صنع القرار في القارة هذه تحفل بتقارير مرتبة وموجهة بحنكة، إلى استثمار وانتهاز ما يمكن من ثمار الربيع العربي، وخريطة تضاريس المنطقة الجيوسياسية الجديدة.
من هذه التقارير، نتلمس اتجاه أصابع الاتهام في اختفاء هذه الصواريخ، نحو ما يمكن وصفه "الحلف الإيراني ـ السوداني"، وتحديدا تقليص التعميم الاتهامي هذا بحجم فيلق القدس التابع للحرس الجمهوري الإيراني، والذي تصوره الدوائر الغربية، والأوروبية على وجه التحديد، بقوة نخبة تدس أنفها في غير ساحة في المنطقة، من العراق إلى سوريا إلى جنوب لبنان إلى أفغانستان إلى غزة.. وأخيرا السودان.
التقارير الأوروبية الموجهة هذه، تزعم أن قوة من فيلق القدس توجهت من قاعدة عسكرية في جنوب السودان إلى ليبيا، ونقلت الصواريخ المتطورة إلى وجهتها، بعدما بات العقيد الليبي ونظامه السابق يلفظان آخر الأنفاس.
وتحشد التقارير نفسها مزاعم تترى عن تورط فيلق القدس في حروب السودان الداخلية، من دارفور إلى كردفان، وإقامة مصنع أسلحة إيراني على الأرض السودانية، فضلا عن معسكرات تدريب، وتستشهد ببيان منسوب إلى القيادة الموحدة لمجموعة متمردي دارفور والجيش الشعبي لتحرير السودان في أغسطس 2008، تحدث عن إسقاط طائرة إيرانية من دون طيار، من طراز "أبابيل ـ 111".
كل هذا ينضاف إلى الاتهامات الغربية المتكررة، بتحول الأراضي السودانية إلى ممر لتهريب السلاح إلى أنصار إيران من حزب الله وحركة حماس، وتناقلت الأخبار مؤخرا قصف بعض من هذه القوافل.
يأتي ذلك بحسب المزاعم الأوروبية، في إطار توقيع البلدين في مارس 2008 اتفاقية في مجال التعاون العسكري، تأسيسا على حقبة مشتركة ابتدأت في ديسمبر 1991، إبان زيارة الرئيس الإيراني آنذاك علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى الخرطوم يرافقه أكثر من 150 مسؤولاً إيرانياً، حيث أجريت ترتيبات لدفع نحو 300 مليون دولار ثمن أسلحة صينية للسودان، علاوة على تعهد طهران بتقديم مليون طن من النفط سنوياً للخرطوم.
تفسير هذا التحالف ينصب لدى الجانبين؛ السوداني في تلك المؤازرة الإيرانية لمواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية الخاص بالرئيس عمر البشير، ومن الجانب الإيراني سعي طهران الحثيث لإيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر.
لسنا في صدد تحليل خفايا هذا التحالف وصحته، لكن المساندة السودانية للمشروع النووي الإيراني، والعلاقات التجارية الناشطة بين البلدين، تؤكد وجود علاقات من نوع خاص بينهما، بعيدا عن الدس الغربي، لكن قريبا أيضا من الدس الشرقي.
وتحديدا ما يمكن الحديث بوثوق حوله بشأن تبلور محور، مضاد للأميركي الأوروبي المواكب للربيع العربي، محور يمتد من الصين إلى روسيا فإيران والسودان، التي تنامت علاقاتها النفطية مع بكين في الآونة الأخيرة، رغم الامتعاض الأميركي.
عودة المحاور هنا لا تؤشر إلا إلى الخاسر، والخاسر بالطبع هنا هم أطراف المحور من أبناء المنطقة، ولا سيما أن القوى الدولية تلعب في ساحتنا وبعيدا عن أرضها. إذن،الثورة الدامية في سوريا، بقي كل من إيران والسودان.. فهل من دور يلوح في الأفق لدولة السودان الجنوبي في هذه المعادلة؟