بصفتي كاتبة محافظة تناصر الحكومة المحدودة، غالباً ما سئلت عن نوع التدخل الحكومي الذي أؤيده. الإجابة بسيطة؛ فأنا أؤيد أن يتمكن الناس من فعل ما يريدون في ظل مجتمع حر وديمقراطي، إلى أن تشكل تصرفاتهم تعدياً على حريتي أو حرية أي شخص آخر. ففي تلك المرحلة، يتعين على الدولة أن تتدخل، لغرض الحفاظ على الحرية الشخصية فقط. فلو لم تتدخل الدولة في حالات كهذه، تتطلب حداً أدنى من التدخل لتصحيح الوضع، فقد يخرج الوضع عن نطاق السيطرة، ويصل إلى مرحلة يصبح فيها اللجوء إلى تدابير متطرفة أمراً مبرراً.

إذا قام ابنك الصغير بسحب البضائع من على رفوف متجر ما في نوبة غضب، فإنك قد تسدد له ضربة موجعة بعض الشيء لتغرس فيه شعوراً بالمبدأ، حتى لا يكبر فيسطو على بنك أو غيره، وينتهي الأمر به إلى السجن، أليس ذلك صحيحاً؟ وينطبق الشيء نفسه على تقويم السلوك الاجتماعي الذي يشكل تعدياً على حرية الآخرين، إذ إن التدابير الضرورية والمعتدلة نسبياً، تحول دون اللجوء لتدابير أكثر جذرية في وقت لاحق.

خذ، على سبيل المثال، التدخين. رغم أنني لا أدخن، وأنفر بشدة من التبغ، فأنا لا أمانع أن يقوم شخص آخر بالتدخين، طالما أن سلوكه لا يفرض علي. ولكن عندما يمشي شخص ما على الرصيف وهو ينفث سيجارته، كأي شخص آخر يسير مطمئناً في الشارع، ثم أجد سحابة من الدخان تلف وجهي، فإن ذلك يعد انتهاكاً لقراري الشخصي بعدم المشاركة في هذا النشاط. دخن في أي مكان تريد، ولكن ضع كيساً من البلاستيك فوق رأسك، من فضلك، وبهذه الطريقة يكون الجميع سعداء.

في الأسابيع القليلة الماضية وحدها، شهدت أوروبا أمثلة عدة على تجاوز التساهل الاشتراكي لحدود المعقول، تحت ستار الحرية الديمقراطية والحرية الشخصية. وفي كل حالة، كانت التدابير المنطقية والمعتدلة تترك مهملة، إلى حين يصبح اتخاذ التدابير الأشد ردعاً وتقييداً ضرورة لا بد منها.

ففي بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أن المهاجرين الباحثين عن عمل، الذين لا يجيدون اللغة الإنجليزية ولا يحضرون دروس اللغة التي تمولها الدولة، هم عرضة لأن يحرموا من إعانات البطالة. وهذا قرار مغالى فيه من ناحيتين؛ إذ إنه، على نحو صائب، لا يترك للأشخاص غير المندمجين سوى خيار الاندماج، ولو لغوياً، ويلقي عبء التكامل على دافعي الضرائب.

وبدلاً من الوصول إلى مرحلة تقتضي ابتزاز المهاجرين ليتعلموا لغة بلدهم الجديد، كان يمكن لأصدقائهم أو أقاربهم أن يرسلوا لهم بعض أشرطة برنامج "روسيتا ستون" لتعليم اللغة الإنجليزية، ليكونوا أعضاء فعالين في المجتمع حين وصولهم. وكان يمكن للحكومة أيضاً، منذ زمن طويل، ألا تستقبل المهاجرين غير الناطقين بالإنجليزية، إلا إذا كانوا من ذوي المؤهلات غير العادية.

ومن جهة أخرى، كان القرار الذي أعلن عنه أخيراً الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهو في المناخ النفسي لما قبل الحملة الانتخابية، خير مثال على التدابير المعتدلة التي يجب اتخاذها من أجل مكافحة المشكلات الاجتماعية الدخيلة، حيث قرر إشراك الأحداث الجانحين في معسكرات يديرها عسكريون سابقون، بدلاً من سجنهم. بموجب هذا القرار، لن يضطر المراهقون الفرنسيون إلى تفادي الرصاص في إحدى مناطق النزاع لمجرد أنهم، على سبيل المثال، انتزعوا عدداً من أجهزة "آي فون" من أيدي ركاب وسائل النقل العام.

وفي حال لم يساهم ذلك في الحد من جرائم الشباب المدنيين نتيجة لأن الضرب على الأيدي لا يجدي معهم نفعاً، فسيعمد حينها دافعو الضرائب إلى دفع المال بكل سرور، من أجل إدخال الجانحين الصغار إلى منطقة حرب.