مع أني كنت أدرك القيمة النظرية للحد من مصادر الإلهاء، فلم أكن أتفق بشكل عام مع أولئك الذين يدعون إلى مقاطعة تلك المصادر لأيام متتالية، كما يفعل مناهضو التكنولوجيا من الانعزاليين.
ولكن تغير ذلك كله منذ فترة بسيطة. فعلى بعد نحو 120 ميلاً إلى الشمال الشرقي من مدينة رينو، وعلى قاع بحيرة جافة وسط صحراء نيفادا، انضممت إلى الحشود الغفيرة في مدينة بلاك روك المؤقتة، التي احتضنت 53000 شخص، صبغوا أنفسهم بألوان مختلفة وارتدوا أزياء متنوعة، ومارسوا الفن والرقص والغناء احتفالاً بالذكرى الخامسة والعشرين للرجل المحترق الذي ذاع صيته.
لقد كان ذلك أكثر من مجرد احتفال، فمهرجان "الرجل المحترق" عبارة عن مجموعة من الأشخاص الذين يجتمعون سنوياً لمدة أسبوع في المركبات الكبيرة والخيام، لتشكيل مجتمع يقوم على مبدأ الإدماج والتعبير عن الذات والاعتماد عليها، والفن والجهد الجماعي والمسؤولية المدنية والمشاركة. لقد ذهبت إلى تلك المدينة حاملة حقائب من الملابس المعقدة وغالونات من الكريمات الواقية من أشعة الشمس. أما الإنترنت، فلم أصطحبه معي.
في الواقع، ظل جهاز "آي فون" الخاص بي مضبوطاً على وضع الطيران لخمسة أيام متتالية، مسجلاً بذلك رقماً قياسياً، ومحدثاً تغييراً أبدياً في موقفي من أجهزة الإلهاء التي نستخدمها والتي لا حصر لها. والدرس الذي تعلمته هو أن وجود 50000 شخص لا يحدقون في هواتفهم النقالة، يعد شيئاً رائعاً.
فما الذي قد يحدث في هذا النوع من الفراغ المقدس؟ إنه السلام النفسي، والحضور التام بكامل الجوارح، والصدف الجميلة. فعندما لا تتمكن من إرسال رسائل عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، لا تملك إلا أن تعيش اللحظة، وتتحدث مع الأشخاص الذين تقابلهم، وتضطر لكسر حواجز الحياء أو الكبت التي تمنعك من محادثة الغرباء. وتضطر حينئذ إلى أن تضغط على نفسك، كما تضطر إلى أن تنظر حولك وتشارك من حولك عالمك الواقعي.
والمفارقة طبعاً هي أن عدداً كبيراً ممن يشاركون في مهرجان الرجل المحترق، يقودون الثورة التكنولوجية الحالية، فهم عباقرة الجيل المقبل من مخترعين ومطورين وعلماء التكنولوجيا الرقمية. فهل يعني ذلك أنهم تمردوا على هذه التجربة؟ لقد أجاب مدير الفريق الإعلامي ميغان رويسليانو بالنفي، وقال: "بالطريقة نفسها التي نقلل فيها عدد الكاميرات للمحافظة على واقعية التجربة، فإننا نسعى أيضاً لتوفير مساحة لا تسمح للهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر بإعاقة ما يحصل على قاع البحيرة، من خلال ما تتسبب به من مقاطعة وضجيج وصرف انتباه.
ويمثل مهرجان "الرجل المحترق" مكاناً يستطيع فيه المرء أن يكون مرتبطاً باللحظة بشكل حقيقي. ونظراً لكثافة السكان والفن والبيئة المحيطة، لا يمكن للمشاركين في المهرجان إلا أن يغمروا كل لحظة من لحظاتهم بالخبرة والإلهام الإبداعي والتواصل مع جميع الأشخاص من حولهم. لقد كان ذلك ما شعرت به، بينما كنت أتمشى وأركب الدراجة في أرجاء الصحراء المفعمة بالسحر.. فقد أمضيت غالب وقتي وأنا أفتح عيني على العالم وعلى الناس من حولي، لأنظر وأرى وأتنفس اللحظة.
وفي آخر ليالي المهرجان، تجمع نحو 50000 شخص حول تمثال الرجل الخشبي الضخم. وقد حدقنا جميعاً بينما كان الراقصون يؤدون رقصاتهم، والألعاب النارية تنطلق في الفضاء، فيما كانت ألسنة اللهب تلتهم الرجل ببطء حتى أتت عليه تماماً. بعد 30 أو 40 دقيقة من الوقوف متسمرة، أدركت شيئاً رائعاً، وهو أنني لم أفتح حقيبتي لأنظر إلى هاتفي، وأنني لم ألتفت حولي بدافع الملل، بل إنني لم أتحرك، فقد كان مدى انتباهي غير عادي، بعد أربعة أيام من عدم وجود الإنترنت، وقد شفيت من اضطرابي العصبي الإلكتروني..
وفي اليوم التالي، عندما استعاد جهاز "آي فون" كامل قوة إرساله، اكتشفت أني لم أفوت شيئاً على الإطلاق.