يزداد وعي العالم يوماً بعد يوم بأهمية الطفولة، وتزداد البرامج التي يقدمها لرعايتها باطراد، وصار الاهتمام بتفاصيل احتياجات الطفل الجسمية والبدنية والعقلية يحتل مكاناً بارزاً في خطط الحكومات المختلفة حولنا، وبتنا نلمس ذلك ونراه في كل مكان في العالم المتقدم.

إن دور الأم هو المهم في هذا الموضوع أكثر من غيره، لذا فإن منحها إجازة أمومة طويلة، وتثقيفها تثقيفاً عالياً فيما يتعلق بدورها ودعم ذلك بمؤسسات صحية وتربوية على مستوى عال من الكفاءة وتوفير الإمكانيات اللازمة، هو عمل ماض باطراد أيضاً هناك، إن العالم يسير إلى الأمام وسواء كان هذا السير صحيحا أو خاطئاً فإنه لا يعود إلى الوراء.

وإنما يقوم بالتصحيح المستمر لخطواته، والتعديل الدائم لاستراتيجياته، وإذا كان عمل المرأة قد دخل حيز الواقع غير القابل للرجوع عنه، فإنهم في العالم المتقدم لا يقدمون نظريات سابحة في فضاء القرون الماضية، فالمرأة تتعلم وتعمل وتثبت وجودها، ولكن التركيز على دورها في البيت ورعاية الأسرة والأطفال، يزداد أيضاً، كما أن تقبل دور ربة البيت المتفرغة لعائلتها يزداد، ويلقى التكريم من قبل الدولة والمجتمع ووسائل الإعلام.

ما دفعني إلى كتابة ذلك هو وجود قضية مهمة جداً تحدثنا فيها طويلا، ثم تركناها للمناسبات التي لا نجد فيها شيئا نقوله فقط، ألا وهي ترك رعاية أطفالنا بأيدي الخدم، وهي القضية التي بدأت بخروج المرأة للعمل في بلادنا، وتفاقمت مع مرور الأيام. ترى ماذا فعلنا بشأن ذلك؟

أين هي إجازات الأمومة ولو بنصف راتب أو حتى بدون راتب التي ظللنا نتكلم عنها سنيناً ؟ أين هي ساعة الرضاعة التي أصبحت موضة قديمة ؟ أين هي خطة حماية الطفولة في الأربع سنوات الأولى من عمر الطفل ؟ أم أننا اكتفينا ببرامج التطعيم والرعاية الصحية الأولية، وكان الله غفوراً رحيماً؟

اليوم، ودور المرأة في المجتمع يزداد تأكداً ورسوخاً، ودخولها في كافة مجالات العمل صار متقبلاً، فإنها ليست بحاجة للنضال في سبيل ذلك، ولكن نضالها يجب أن يرتكز على المطالبة بحقوقها الأهم، كامرأة عاملة وأم في ذات الوقت، والسؤال البسيط الذي يجب أن نجد له إجابة شافية هو: أين تترك المرأة العاملة أبناءها أثناء غيابها عنهم ؟ لا شك أن الحديث في ذلك يطول والحلول التي سبق طرحها كثيرة، لذا لا داعي لتكرارها، فقط من المهم أن نتذكر أننا مذ خرجت المرأة للعمل، أنشأنا لأنفسنا مشكلة خطيرة جداً لم تكن موجودة، ثم تقاعسنا عن حلها أو سلمناها للنسيان.

كم من الأطفال عانى ويعاني من وجوده بين أيدي امرأة غريبة، تعامله بقسوة وخشونة ؟ فضلاً عن الذين تعرضوا لجرائم مختلفة في هذا الوضع؟ كم من شباب اليوم يعاني من أثر تربية الخدم عليه، نفسياً، اجتماعياً ولغوياً؟ فأية قضية أهم للمرأة والطفولة من هذه القضية؟

لا شك أن الكثيرين قد تحدثوا في ذلك حتى أصابهم الملل، ولكن أجواء الحياة تتغير بتغير الزمن، لذا من المهم إعادة طرح هذه القضية بقوة، بغرض الوصول إلى حل جذري لها، ووضع حد لمعاناة المرأة العاملة الأم، التي يهمها أمر أطفالها أكثر من أي شيء آخر.

والتي تعذبها المعادلة الصعبة التي تلزمها بالتضحية بأثمن السنوات في عمر أطفالها، مقابل الحفاظ على وظيفتها وتميزها فيها، والتي تدفع فيها مقابل كل ابتسامة ترسمها على وجهها في العمل، دمعة تجري على خد طفل بريء، كل ذنبه أن أمه عاملة، فمتى ننتبه؟