عفواً "حماس"، فلقد احترنا حقاً: هل أنت حركة سياسية.. أم دعوية ساحاتها المساجد؟ على أن ما أعلنته "حماس" غير مرة بأنها حركة مقاومة هي ذراع لجماعة "الإخوان المسلمون" العالمية.
وبناء على إقدامها على قلب السلطة الفلسطينية في قطاع غزة واستيلائها الدامي عليها، كل ذلك يضعها في خانة الإسلام السياسي، أي أنها حركة سياسية. إذن، نحاكم مواقف الحركة هذه سياسياً:
كيف يمكن لـ"حماس" أن تتحفظ على خطوة لجوء منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لانتزاع عضوية الدولة الكاملة، إن أمكن، ومن ثم اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للارتقاء بالتمثيل الفلسطيني هناك، إن تعذر الخيار الأول؟
أي خطر يتهدد مسيرة التحرر الفلسطيني من هذه الخطوة؟ فحتى صفة العضوية غير الكاملة للدولة في الأمم المتحدة تمكن الفلسطينيين من حيازة عضوية منظمات أهمها المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي إمكانية حمل ملف جرائم الاحتلال الإسرائيلي إلى لويس أوكامبو.
في وقت حفلت محافل التحليل والإعلام في إسرائيل بأجراس الإنذار، وهذا الاستنفار السياسي الذي دفع بنيامين نتانياهو إلى أن يهرع إلى نيويورك لحشد ما يحبط الخطوة الفلسطينية هذه، لا نجد أي صوت عربي أو فصائلي فلسطيني يرفض هذا الهجوم الدبلوماسي سوى "حماس"، وفي ظل عدم تقديم الحركة مبررات مقنعة، فإن من حقنا أن نجتهد في التحليل على أمل أن نكون مخطئين.
فإن كان الاعتراض "الحمساوي" مرده إلى الاستهانة بنتائج هذه الخطوة أو أهمية الدولة غير كاملة العضوية، فإن في الذاكرة ما زالت سخونة اقتراح أحمد يوسف، أحد أبرز قادة "حماس" بقبول دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، وهو ما رُفض من قبل منظمة التحرير الفلسطينية على أساس أنه يخفض سقف التفاوض مع الاحتلال.
وإن كان خيار المقاومة ما زال ماثلاً في خطاب "حماس"، فإنها علاوة على استنساخها نهج السلطة الفلسطينية لجهة لجم انطلاق الصواريخ من القطاع، فإن أعلى مرجعية للحركة ممثلة بمكتبها السياسي، سبق وأعلنت قبولها بحل الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967.
إذن، ربما الدافع الوحيد لـ"حماس" لاتخاذ هذا الموقف، هو إعلان الإدارة الأميركية مسبقاً عزمها إجهاض الخطوة الفلسطينية هذه بـ"الفيتو" الشهير في مجلس الأمن، إضافة إلى البرود الأوروبي التام تجاه هذه الخطوة. قرأت "حماس" هذه المواقف، وربما أرادت قولها بصراحة للغرب:
نحن الأكثر مرونة، وبالتالي الأجدر بكوننا عنواناً للفلسطينيين ينبغي التحاور معه، لا منظمة التحرير، وهي المحاولات التي تكررت غير مرة لإقناع القوى الكبرى بأهلية الحركة لتمثيل الشعب الفلسطيني وقضيته.
هل هو موقف ذكي؟ قطعاً لا، فبغض النظر عن الرائحة الانتهازية التي تفوح من موقف الحركة هذا، لكن فيه قصوراً تاماً عن فهم الغرب، المحكوم بسياسات واستراتيجيات لا تتغير بتغير الأشخاص والإدارات، فلا باراك أوباما ولا غيره يجرؤ على بدء حوار مع حركة تصنفها مؤسسات الحكم لديه بالتطرف و"الإرهاب"، وخصوصاً على أبواب الانتخابات الرئاسية.
على الأغلب فات "حماس" تلمس ذلك الخيط الخفي، الذي يربط بين الموقف التركي الناري تجاه إسرائيل، رغم انضواء أنقرة في عباءة الحلف الأطلسي، ومن ثم الاندفاع المجهول لاقتحام السفارة الإسرائيلية وتوتير العلاقات المصرية مع الدولة العبرية، رغم تنصل قوى الثورة المصرية وتشكيكها بدوافع هذه الخطوة، وأخيراً هذا "التحدي" المفاجئ للسلطة الفلسطينية للسياسة الأميركية المعلنة.
هل حقاً كل هذا يجري بعيداً عن نهج الضغوط الأميركية الخفية على نتانياهو؟