الموت هو سيد الحقائق جميعها، وعلى الرغم من ذلك فإنه عندما يطرق باب الأهل أو الولد أو الأقارب أو الأصدقاء أو الأحباب، فإنه يدهمنا، يفاجئنا، يروعنا، وكأننا لم نسمع به من قبل قط، وعندئذ يمضي بنا إلى رحاب تأملات تبدأ ثم لا تنتهي.
ونحن ندرك تمام الإدراك أنه حقيقة مطلقة، نستحضرها في خشوع مع قول الحق عز من قائل: «كل نفس ذائقة الموت»، فالموت رحلة لا عودة للإنسان منها أبدا، وهو يمضي فيها وحيدا، إذ لا سبيل إلى تجاهل القطار الواقف على محطة أنا الراكب الوحيد على رصيفها، ذلك أنه: «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» كما نقرأ في سورة الأعراف.
وهذه الرحلة ترتبط بأن ما مر لابد أن يرصد، ولحظة الختام هي نفسها لحظة كل الحسابات العسيرة، وكيف لا ونحن نقرأ في سورة الإسراء قوله سبحانه: «وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا».
والحيرة حيال هذه الرحلة، التي لابد منها، هي في جوهرها أنها تدفعنا إلى التساؤل عما إذا كنا سنترجل من رحلة أم أننا بسبيلها إلى الانطلاق في رحلة، أليس علي بن أبي طالب هو القائل: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»؟
وهذه الرحلة لا نعرف كيف سنمضي فيها، ولا إلى أين، ولا ما الذي ينتظرنا هناك في ضفة المجهول تلك. والعزاء الوحيد حقا هو أن ديننا الحنيف يحدثنا عن السكينة، بينما يندلع الخوف في نفوس الآخرين، ويعدنا الرجعى، التي هي عودة القطرة إلى بحرها، حيث العدالة المطلقة، وحيث الرحمة الكلية. تأمل قول الحق في سورة السجدة: «قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون».
لطالما ساءلت نفسي: هل من قبيل الصدفة أن المعنى الحرفي للموت في لغتنا، لغة القرآن الكريم، هو السكون؟ وهنا لابد من التساؤل أيضا: هل من قبيل الصدفة أن كلمة «الموت» ترد في القرآن الكريم في 161 موضعا؟ هل من قبيل الصدفة أن العرب عرفت الموت بأنه خلاف الحياة وذهاب القوة وأنه يحصل بتوفي الأنفس أي بقبض الروح؟
هذا بالضبط ينقلنا إلى سؤال طالما أرق أجيالا من البشر: ما الروح؟
أفق هذا السؤال يترامى بلا انتهاء، ولكن في نهايته ينهض نورا على نور قول الحق سبحانه وتعالى: «يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».
وعلمنا القليل هذا يضاف إليه زاد ما أجمل أن نتزود به في تأملنا لما يتعلق بالموت والروح، فدعنا نستحضر معا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يمس النفس ويأخذ بمجامع القلب: «إن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه».
وبوسعنا أن نمضي في التأملات إلى ما لا نهاية، ولكن كلمة الصدق هي وحدها التي تتوج حديثنا، ففي سورة الملك نقرأ قول الحق عز من قائل: «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور». ويلفت نظرنا، على الفور، أن الله سبحانه وتعالى قدم الموت على الحياة تنبيها إلى أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية، وعد الموت نعمة أنعم بها على عباده، ومن هنا جاء قوله: «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون».
هذه الرهبة، في مواجهة سيد الحقائق، تشف عن إنسانيتنا، لكنها تفسح المجال لأفق لا ينتهي من السكينة في رحاب النعمى الأسمى والأعظم.