في العام 1988 أعلن الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الجزائر "الدولة الفلسطينية المستقلة"، بديباجة مؤثرة أبدعها الراحل الكبير أيضا محمود درويش، آنها كان نصرا معنويا كبيرا في الحرب الشاملة مع إسرائيل، ولا سيما مع تتابع الاعترافات الأممية بالدولة الوليدة، ولو على رقعة وثيقة الاستقلال فقط.

بعدها بنحو عامين، نجح الرئيس الأميركي جورج بوش الأب آنذاك، في جر اسحق شامير عنوة إلى مؤتمر مدريد، إيذانا ببدء عملية سلام أمل الفلسطينيون عبرها تجسيد وثيقة الاستقلال إلى حقيقة على الأرض، سرعان ما انزلقت إلى دهاليز أوسلوية ونبضات انسحاب إسرائيلي ثلاث، لم تخفق لها الأرض المحتلة سوى مرة واحدة، ولم يتوان بنيامين نتانياهو نفسه عن خنق هذه النبضات بإلغاء أوسلو، وإطلاق وحش الاستيطان أكثر شراسة.

ها هو "رجل السلام" نتانياهو يدعو الفلسطينيين إلى مائدة التفاوض، والعدول عن حمل ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة.

لا حاجة للتذكير بأن إسرائيل قامت بقرار من الأمم المتحدة، وبقيت فوق القانون الدولي محصنة بالفيتو الأميركي من أي مساءلة في الأمم المتحدة، ثم تنكرت للمنظمة الدولية التي أنشأتها وضربت عرض الحائط بكل قراراتها.

والحال كهذه، ما الذي تغير ليدب الهلع في قلب إسرائيل من رد ملف القضية الفلسطينية إلى هذه المنظمة الأممية؟

أولا: العالم نفسه تغير، ولم يعد في وسع القاموس البشري استيعاب حقيقة محرجة للضمير، بأن فلسطين هي الدولة الوحيدة المحتلة على وجه الكرة الأرضية برمتها، وهو ما انعكس تراجعا كبيرا في الدعم الأعمى لخرافة أرض الميعاد وعويل حائط المبكى، فتبدت حقائق جلية عن فاشية جديدة تذرعت بمحارق النازية لارتكاب ما هو أفظع.

ثانيا: تراجع الأهمية الوظيفية للدولة الإسرائيلية للتحالف الأميركي الأوروبي، بعدما انفرطت الحرب الباردة، ولم تعد هناك حاجة للتحالف العسكري التكنولوجي المتطور بين إسرائيل وشاه إيران، لصد أي هجوم سوفييتي على منابع النفط في الشرق الأوسط، إلى حين وصول المدد الغربي.

من هنا نرى هذا التحول الواضح في أوروبا لمصلحة دعم الفلسطينيين في مواجهة التعنت الإسرائيلي، بينما بقي التراث السياسي الأميركي محافظا على الدولة العبرية كقاسم مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلا أن تناسل الأصوات التي باتت تتجرأ على كسر هذا "التابو" واعتبار إسرائيل عبئا باهظا على جيب دافع الضرائب الأميركي، الذي نادرا ما يعي ما يدور خارج حدود قارته، كل ذلك يؤشر إلى بداية التحول.

ثالثا: وهو الأهم؛ بدء الربيع العربي. أول نتائج الربيع هذا، هو سحق مقولة "الديمقراطية الإسرائيلية في محيط الاستبداد العربي"، وثاني هذه النتائج أن الزحف الجماهيري في الشوارع والميادين، والذي نجح في إزالة أعتى النظم البوليسية، ينذر بأن بوصلته ستتجه بعد ترتيب الأوضاع الداخلية إلى قضية الشرق الأوسط المركزية، وهو ما لا طاقة لكل التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية على مواجهته، اللهم إلا اللجوء إلى الجنون النووي.

إذن، تدرك واشنطن أن العد التنازلي لقيام الدولة الفلسطينية بدأ، وأن من الأفضل استباق المجابهة الدموية بالاشتباكات الدبلوماسية، سواء في أروقة الأمم المتحدة أم في أقبية القنوات السرية، وعليه فإن الفيتو الأميركي المتوقع ضد الدولة الفلسطينية، ما هو إلا لأغراض انتخابية محضة، بينما وراء الأكمة والانتخابات ضغوط غير هينة على إسرائيل، سبق وأن اختبرها شامير.