لا أدري.. لماذا كل هذا التباكي والغضب المبالغ فيه من الهجوم على السفارة الإسرائيلية في مصر؟ على الرغم من عدم إصابة أي شخص إسرائيلي بمكروه، ومع وفاة أربعة وجرح العشرات من المصريين، رغم أن من مات في هذا الهجوم هو شهيد بمعنى الكلمة، لأنه انتفض وهب ضد عدو الوطن وعدو العرب والمسلمين. ما صدمني بحق هو الحملة "الشاذة".

ولا أريد أن أقول "المشبوهة"، التي شنتها بعض وسائل الإعلام المصري ضد المتظاهرين أمام السفارة، الذين حطموا "الجدار" وهجموا على السفارة الخالية إلا من الحرس الذي لم يصب بأي أذى. وفوجئت بمن يصف المشاركين في هذه التظاهرة ضد السفارة الإسرائيلية، بالبلطجية والمشبوهين، ولا أستطيع أن أفهم لماذا يهاجم البلطجي والمشبوه السفارة الإسرائيلية؟ لا أدري لماذا كل هذا الخوف والرعب الشديد من أي شيء يمس إسرائيل؟

لقد سبق أن طرحت سؤالا في إحدى مقالاتي بعد الثورة، عن السر وراء امتناع القوى السياسية على الساحة المصرية عن تناول قضية العلاقات مع إسرائيل، هذه العلاقات التي كانت السبب الرئيسي وراء ما حدث في مصر من فساد وانهيار اقتصادي واجتماعي وثقافي، وانحطاط مكانة وهيبة مصر إقليميا وعالميا، لماذا لا تتناول النخبة السياسية هذه القضية؟

هذه النخبة التي تحتل شاشات الفضائيات وصفحات الصحف منذ انتصار الثورة المصرية، وتغرقنا كل يوم في قضايا تخدم مصالحهم الخاصة قبل غيرهم، مثل تعديل الدستور، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وغيرها من القضايا التي استهلكت من وقت واهتمام الشعب المصري أكثر مما تستحق بكثير، بينما أهملت قضايا أخرى أكثر منها أهمية وحيوية، قضايا تمس مشاكل الشعب المصري الذي صنع الثورة، لتركبها هذه النخبة التي كانت في عهد مبارك، وما زالت تهيمن على الإعلام المصري.

لقد هبوا جميعا في حملة "شبه منظمة وموجهة"، يهاجمون بشدة الهجوم على السفارة الإسرائيلية، ولم يفكروا ولو للحظة في مدى تأثير مشهد الهجوم على السفارة وتحطيم الجدار وإسقاط العلم الإسرائيلي على عشرات، بل مئات الملايين من جماهير العرب والمسلمين الكارهين لإسرائيل.

ومن وراءها في كل أنحاء العالم، بل لم يكلفوا أنفسهم الرجوع بالذاكرة واستعراض جرائم إسرائيل البشعة ضد العرب من الفلسطينيين وغيرهم.. وما يدعو ويستدعي الشك المريب، هو أن هؤلاء الذين انتقدوا بشدة مبالغ فيها الهجوم على سفارة الكيان الصهيوني، من الإعلاميين والسياسيين المصريين، لم نسمع بكاءهم ونحيبهم وانفعالهم على شهدائنا الذين قتلتهم إسرائيل في سيناء منذ أيام.

عندي سؤال يحيرني؛ لماذا قرروا بناء الجدار أمام العمارة التي فيها السفارة، وهم يعلمون أنه لن يفيد في شيء ولن يحول دون اقتحام الجماهير للبناية، كما أنه سيشوه المنظر على النيل؟ وكان هناك حل أسهل بكثير وأكثر أمنا، وهو نقل السفارة إلى منطقة سكنات الدبلوماسيين في المعادي ذات الحماية الأمنية العالية! لا شك أن هذا المكان على النيل بالتحديد، يعني الكثير بالنسبة لإسرائيل وأساطيرها الكاذبة.

تحطيم الجدار والهجوم على السفارة لم يشارك فيه أحد من النخبة السياسية التي تتنافس من الآن على الرئاسة والبرلمان، لكن شارك فيه مصريون شرفاء، منهم أساتذة وطلبة جامعات وفنانون ومخرجو سينما مصريون معروفون، شاهدنا صورهم وهم يعتلون الجدار ويدقونه بالمعاول، هؤلاء الذين يؤمنون بأن إسرائيل ليست دولة، بل هي كيان صهيوني محتل ومغتصب.

وأنها العدو الأول والأخير. أما الذين يتحدثون عن "اتفاقية فيينا" والالتزام بحماية البعثات الدبلوماسية للدول، ويرددون ما كان يردده نظام مبارك ويعتبرون إسرائيل دولة يجب احترام الالتزامات معها، وينسون كل ما فعلته وما تفعله وما ستفعله، وينسون أنها منذ نشأتها لا تحترم أية التزامات دولية، هؤلاء الباكون على جدران السفارة، أقول لهم "قطار الثورة المصرية تزداد سرعته، فاحترسوا من الوقوف في مواجهته".