لا أدري لماذا لا نتعامل مع الحياة بالمنطق الواضح البسيط، منطق الفعل ورد الفعل، يدور هذا التساؤل في رأسي كلما انتبهت إلى حاجتي للظل، وأنا أمشي مسافات طويلة تحت الشمس تكفي لإصابة أقوى الناس بالصداع، يحدث ذلك في المدارس والعيادات وغيرها من المرافق العامة، بلادنا صحراوية حارة، والمكيفات المركزية موجودة في البيوت والمباني.

ولا توجد ولا يمكن أن توجد في الخارج، فكيف يغيب عنا ذلك ؟ ونترك المساحات الشاسعة والشوارع الطويلة دون شجرة أو مظلة تلطف من قسوة الهجير وشدته ؟ توفير الظل مطلب صحي وبيئي وإنساني، لا يجب أن يخلو أي شارع من أشجار توفر الظل الكثيف، ولا أي درب في مستشفى أو مدرسة أو مرفق عام من مظلات تحمي الناس من ضراوة قيظنا وحرارته.

من الغريب أن الفلسفة المعمارية لدينا لا تولي هذا الأمر ما يستحق من الاهتمام، بل تتراجع يوما بعد يوم عن ما كانت تحققه في السابق، وجود مظلة أمام الباب الخارجي لأي مبنى أو بيت، لكن الملاحظ أن وجود مظلة من عدمه تحدده القيمة الجمالية البحتة وليس الضرورة المناخية. في الدول الباردة التي يتساقط فيها الثلج شتاء نلاحظ أن كل السقوف مائلة بلا استثناء تقريبا، وعليه ففي بلادنا ينبغي أن تكون كل الدروب مظللة. وذلك أدنى درجات الوعي بحاجاتنا المعمارية.

بالعودة للمدارس نكتشف مدى إهمال هذه النقطة من قبل البلديات وإدارات المدارس على السواء، فالشارع المؤدي إلى المدرسة يشبعك بالإحساس الصحراوي وأنت تراه من زجاج السيارة، حيث لا شجرة تلوح ولا طائر يرف، أمام المدرسة أيضا لا وجود للأشجار والظلال، وعلى الصغار المشي في هذا الفرن المفتوح حتى الوصول إلى فصولهم، في المدارس الحكومية هناك مظلة ضخمة تتوسط الساحة الرئيسية، تخفف من حدة الحر كثيرا ولكن ذلك لا يكفي، كما أن هذه المظلة تؤثر على حركة الهواء ودرجة الضوء.

ومما يزيد الأمور سوءاً هو قيام معظم الإدارات المدرسية بمنع التلاميذ من البقاء في الفصول أثناء الفسحة أو نهاية الدوام، وإلزامهم بالبقاء في الساحة تحت الشمس، أو تحت المظلة التي إن وقتهم أشعة الشمس المباشرة لم تقهم لفحة الهواء الحارقة، كل ما يهم هذه الإدارات هو المحافظة على الفصول وأثاثها ولا يهمها صحة التلاميذ الذين يصلون إلى البيت منهكين تماما بسبب الحر.

لدى البحث عن مثال للتظليل المعماري المناسب، علينا تأمل الدرب الخارجي المظلل في مستشفى الوصل، ربما كان المهندس الذي خططه آخر من انتبه إلى أهمية الظل عندنا، لاحظوا وأنتم تمشون هناك موقعه من المبنى، الأعمدة التي يرتكز عليها، المصطبات المصفوفة على الجانبين بطوله، أراه مثالا لشيء مفقود في كثير من مبانينا العامة، والمدارس تحديدا.

الحديث في التفاصيل لا يستهوي الكثيرين، وهذه النقطة تحديدا تحدث عنها محمد الهاشمي يوم الأربعاء الماضي في قناة المستقلة، ضاربا مثلا بمدى اهتمام الحكومات الغربية بالتفاصيل إلى حد تخصيص الجلسة الأسبوعية للنقاش بين رئيس الوزراء والمعارضة في بريطانيا لمناقشة كم من الوقت ينبغي للبريطاني أن ينتظر في العيادات لحين تلقي العلاج، وذات مرة سألت موجه التربية الإسلامية: هل دخلت حمامات المدارس التي تشرف عليها لترى هل هي مهيأة لوضوء الطلاب ؟

فأجاب: وهل علي أن أفعل ذلك؟ قلت له نعم عليك أن تفعل ذلك قبل حث الطلبة على أداء صلاة الظهر فالحمامات غير مهيأة بالمرة، لم يعجبه الحديث، ملمحا إلى أن دوره أرفع من ذلك وليس عليه سوى التوجيه، قبل أن نقول إننا هيأنا المدارس لتلقي العلم علينا البحث في معنى ما نقول جيدا لندرك هل فعلا حققنا ذلك، أم انتاب عملنا النقص والقصور؟.