التدهور السريع الذي شهدته العلاقات بين أنقرة وتل أبيب فور تسريب صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية لفحوى تقرير جيفري بالمر، الذي يسجل نتائج تحقيق الأمم المتحدة في التصدي الإسرائيلي الوحشي لأسطول الحرية المبحر في قطاع غزة، لم يكن من قبيل المصادفة، ولم يأتِ اتفاقاً، وإنما كان طبيعياً ومنطقياً، خاصة بعد الإجراءات الخمسة التي أعلنت عنها تركيا، وتوجتها بإعلانها عن بدء إجراء قضائي للاعتراض على «قانونية» الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، والذي أشارت إليه لجنة التحقيق في تقريرها.
هذا التدهور بدأت ملامحه، في واقع الأمر، فيما عرف على الصعيد الدولي بمواجهة الدقيقة الواحدة عام 2009 بين رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وجاء الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، الذي أودى بحياة تسعة من المدنيين الأتراك، ليصعد التداعي في العلاقات بين الجانبين.
وقد حاولت أطراف غربية عديدة احتواء التدهور، وخلال الشهور التسعة التي استغرقها تحقيق بالمر، عقدت أربع جولات من المباحثات السرية بين إسرائيل وتركيا، كشفت صحيفة «حرية» التركية النقاب عن جانب من ملامحها، بدأت بلقاء في بروكسل، وآخر في بوخارست لتتوالى الجلسات في جنيف ونيويورك وروما ونيويورك ثانية، وعلى امتدادها طالبت تركيا بمطلبين محددين، هما اعتذار رسمي إسرائيلي وتعويض لعائلات الضحايا من ناحية، وتوقف إسرائيل عن التنمُّر في شرق المتوسط، كما لو كانت القوة المهيمنة هناك، من ناحية أخرى.
كانت «نيويورك تايمز» صريحة في الإشارة إلى أن موقف تركيا يعرضها لخسارة مليارات الدولارات من عوائد التجارة مع إسرائيل، وأشارت في تلميح لا تخفى دلالاته إلى أن تركيا ستفقد الكثير كلاعب مهم على الساحة الدولية، ولم تنسَ الإشارة إلى أن إسرائيل لا ينقصها المزيد من العزلة الدولية.
لكن المراقبين الذين مضوا قدماً مع هذا التحليل نسوا أن الأمر بالنسبة لتركيا ليس أمر تجارة تخسرها، وإنما هو في الواقع أمر انتماء لا ينبغي أن تشوبه شائبة، أمر هوية لا ينبغي أن تكون موضع لبس أو شك، بأي حال من الأحوال.
إن هذا التصعيد ليس إلا تتويجا للمسيرة التركية التي بدأت منذ سنوات نحو تأكيد انتمائها الأصيل، بعد أن ظلت عقودا عدة تطرق البوابة الأوروبية بلا طائل.
ربما في صميم الوعي التركي أن الانتماء الحقيقي لتركيا هو ذلك الذي يصلها بأطراف الصين، حيث القوى التركمانية التي لم تبدل ألف عام من التغيرات والمحن هويتها، وتربطها بالعالم العربي، وصولا إلى شواطئ المغرب، حيث لا تزال السفن التركية ترتبط بمفهوم الخلاص من محاولات الانقضاض الأوروبية.
إن الكثير يتوقف على ما يجري هذه الأيام في شرق المتوسط، لذلك تتابعه العيون من مختلف أرجاء الدنيا، لترى إلى أي مدى ستمضي تركيا في مسيرتها، منذ مواجهة الدقيقة الواحدة، وهل ستصل حقا إلى ما يتوقعه بعض المراقبين من صدام بين البحريتين التركية والإسرائيلية؟
وربما كان من المهم حقا أن يتابع المعنيون في العواصم العربية ما ستسفر عن الإجراءات التركية الخمسة، فالدبلوماسية التركية تنطلق من تجربة طويلة في الحركة السياسية، دفاعا عن مصالح حقيقية لا موضع للتشكيك فيها، وليس سعيا إلى رسم ملامح صورة تخاطب الشارعين الإسلامي والعربي فحسب.
ولهذا، على وجه الدقة، رأينا تحركا دبلوماسيا غربيا محموما يرفع شعار إعادة التأكيد على أن تركيا عضوة في حلف «ناتو»، وأن النوافذ الأوروبية لم تغلق في وجهها بشكل نهائي قط.
لقد أعطانا شرق المتوسط الكثير من الدروس التاريخية، منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم، وجعبة لا تزال حافلة، والمهم من يقرأ ومن يسمع.