لعل من أبرز تحديات حالة الحراك "الربيعي" العربي، هو ذلك المحك التي لا تجد التيارات السياسية الإسلامية بدا من مواجهته: مدى مقدرتها على التعايش مع هبوب رياح الديمقراطية على المنطقة.
والحق أن هذه التيارات غير مقطوعة الجذور في التعامل مع هذه الرياح، إن لجهة ارتكازها إلى النص الديني الذي يشدد على الشورى، فضلا عن فضيلة التعايش مع أهل الديانات الأخرى، أو لجهة النماذج المعاصرة التي أثبتت مقدرة الأحزاب السياسية الإسلامية على قيادة دول حديثة ومعاصرة في بناها الاقتصادية والسياسية، وفي مقدمتها تركيا وماليزيا.
كل ما تحتاجه فقط هو التخلص من نزعة الاستبداد المضادة، التي أصابتها جراء ما جوبهت به من حقبة الاستبداد السلطوي الطويلة، شأنها شأن كل التيارات العلمانية والاشتراكية الأخرى، فقد يصاب النقيض بلوثات نقيضه، إن لم يفسح المجال للجيل الجديد منفتح الذهن ليتقدم صفوف القيادة.
هذا بالضبط ما تحتاج إليه حركة "حماس" تحديدا، في ظل التطورات المتسارعة حاليا في قطاع غزة، وشبح مخاطر مجازر جديدة تحتاجها القيادة الليكودية لتفريغ أزمتها الداخلية، بعدما تبدت ملامح تأثر شارعها بحراك الربيع العربي من باب أزمة السكن، أو لتحذير حزب الله اللبناني من أن قبضة البطش لديها ما زالت حديدية، إن سولت له نفسه اللعب بالنار على الحدود لمساعدة حليفه السوري في لفت الأنظار عما يحدث في داخله المشتعل.
وهذا أيضا بالضبط، ما على "حماس" أن تدرسه جيدا: ماذا يعني بقاء هوية منفذي عملية إيلات الأخيرة غامضة؟
بالتأكيد ليس من مصلحة "حماس" الوقوف وراء هذه العملية واستدراج حرب جديدة على قطاع غزة، وبالتالي فإن هوية الفاعلين لابد أن تنحصر في اثنين: خلايا مسلحة تتبع حزب الله كانت نفذت عمليات عدة داخل إسرائيل، أو منظمات إسلامية متشددة فرخها حكم "حماس" لقطاع غزة، ما يجعلها مسؤولة تماما عن أفعالها وارتباطاتها الخارجية.
لا مجال للحركة الحاكمة لغزة، سوى التوقف عن المنع، والإسراع في إتمام المصالحة مع السلطة الفلسطينية، على أبواب معركة انتزاع شرعية الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة أواخر سبتمبر، ومن ثم البدء فورا في إنهاء جوهر ومظهر الحكم التسلطي الاستبدادي لـ"حماس" في قطاع غزة، وتمكين كل التنظيمات السياسية الأخرى من العمل بحرية تامة، من دون عوائق أو قيود، وإعلانها صراحة قبولها النموذج الديمقراطي في الحكم، القائم على التعددية وعدم الإقصاء أو الإلغاء.
لطالما كان الارتباط بالجهات الخارجية (دولية أم إقليمية) وصفة تفجير وتفتيت داخلي في كل الساحات، ولطالما كانت وصفة "الأجندة الداخلية" منجاة من التفتت وأساس وحدة الموقف وصلابته، هذا ما على "حماس" وأخواتها من التيارات السياسية الإسلامية، وعيه والإيمان به فعلا وقولا، إن قيض أن يكون لها مكان تحت شمس الربيع العربي البازغة.
هو المحك إذن، في كل الساحات العربية لدى التيارات السياسية الإسلامية: إما أن تقدم نموذجا عصريا منفتحا على الآخر وديمقراطية تداول السلطة، أو طمس ربيع العرب بغيوم خريف الاستبداد البطرياركي، التي لا تعد سوى بمواسم جفاف وأحادية الانهيار.