على أبواب العودة للمدارس نريد أن نسترجع معا بعض النقاط التي تغيب فيها الأسس التربوية، ويطغى عليها الروتين والبيروقراطية فقط لا غير.
طابور الصباح مثلاً أكثر ما يتجلى فيه الفهم السقيم لمعنى النظام، وحاول أن تفتح فمك بهذا الكلام أمام أي إدارة من الإدارات المدرسية لتجد عاصفة من الاستهجان تقابلك، وكأن ذلك واجب مقدس، تسألهم؛ حسناً ما فائدته؟
لتجد الرد جاهزاً؛ إنه يعلم التلاميذ النظام. ولكن الحاصل أن أكثر من مئة عام من التزام العرب بطابور الصباح لم تعلمهم النظام أبدا، وتجدهم في كل مكان في الحياة يستدعي الوقوف في طابور، يقفون مبعثرين، أو في خط متعرج في أحسن الأحوال.
وأغرب ما تفاجئك به هذه الإدارات هو إيمانهم الغريب باستحالة دخول التلاميذ إلى الصفوف في هدوء من دون هذا الطابور، ذلك أنهم ما إن يدق الجرس حتى يصرخوا كالمجانين ويتدافعوا للوصول إلى أماكنهم في الصفوف على حد قولهم، والرد البسيط على ذلك هو؛ علموهم كيف يدخلون في هدوء كما علمتموهم الوقوف منتظمين في الطابور، كل شيء يحتاج إلى تدريب وتعليم حتى طريقة المشي والوقوف والأكل والكلام، هذه الأشياء الحياتية التي لا تعلمها المدارس أبدا.
ولا حياة لمن تنادي، وقريبا سنرى فلذات أكبادنا يقفون في حر شهر سبتمبر لأداء هذا الواجب. إهمال التغذية المدرسية، وعدم الاهتمام بها نقطة أخرى صارخة في وجه نظامنا التعليمي، وهذا مجال واسع في حد ذاته يشمل التوعية المستمرة لأولياء الأمور، والاهتمام بنوعية الطعام المباع في المدارس من ناحية قيمته الغذائية وتلبيته لحاجات التلاميذ الضرورية من الغذاء.
لا تجد ذلك وإذا حقق جانب أهملت جوانب أخرى، مما يوقع التلاميذ بين فكي السمنة والهزال ويعرض نشاطهم ونموهم للخطر.
الامتحانات وما أدراك ما الامتحانات، وأظن أن المواطن العربي من ضمن قلائل في العالم ممن لا يزال كابوس الامتحانات يطاردهم مدى الحياة، ومن الغريب أن القوانين جاهزة للخرق فيما يتعلق بهذا الأمر، أما علة الخرق فهي ما يضفى على الامتحانات من قداسة تجعلها فوق أي قانون، مثال ذلك قرار منع الامتحانات في المرحلة التأسيسية، الذي صدر منذ سنوات طويلة بناء على دراسات تربوية عالمية، فعلى الرغم من هذا القرار إلا أن أطفال السادسة يفاجئون بعد مرور الشهر الأول من الدراسة بأسبوع من الامتحانات في كل المواد.
وإذا احتج أولياء الأمور قيل لهم؛ هذه ليست امتحانات بل تقويم عادي، فإن كان كذلك فلماذا جو الرعب الذي يبث في قلوب الصغار؟ الإجابات بالية ومتعبة للقلب من نوع، كي يزداد اهتمامهم ويشدو حيلهم.. الخ. أوقات الدوام المدرسي، يجب أن يعاد النظر فيها بما يناسب حاجات التلاميذ حسب أعمارهم، فمن غير المناسب أن طفل السادسة يعود إلى البيت الساعة الثالثة ظهراً مع أخيه الطالب في الثانوية، كما أن إعادة التوقيت الصيفي والشتوي للمدارس ضروري، لتوفير المزيد من أسباب الراحة النفسية والجسدية للتلاميذ.
توفير الملاعب الكافية والمشرفين الكافين الذين ظل عددهم في تناقص على مر السنين حتى صار لكل 500 طالب مشرف واحد، إضافة إلى الاهتمام بنظافة المرافق والفصول والحمامات، كلها أمور من المؤلم أننا لا نزال ندور في دائرتها منذ سنوات والعالم المتحضر حولنا قد قطع أشواطاً في تجاوزها، ونجح في جعل بيئته جاذبة محفزة ومريحة للتلاميذ وذويهم. فإلى متى سيظل بيننا وبينهم هذا الفرق الشاسع في الفهم والتطبيق؟ ومن ثم في مخرجات التعليم؟
إلى متى نظل في قوقعتنا المقدسة القائمة على أمور لم يعد يلقي لها العالم بالا؟ إلى متى نظل بعيداً عن ما تحقق من إبهار وجمال وتسهيل في عالم يمسك بأجمل سنيننا بين يديه؟ أتمنى أن ينتهي ذلك قريباً.