أثناء الثورة المصرية في يناير وجهت إسرائيل انتقادات حادة للرئيس الأميركي أوباما بسبب إبداء دعمه وتأييده للثوار وضغوطه على مبارك لكي يترك الحكم ويتنحى، ولا شك أن خبرة الإسرائيليين بمصر وشعبها أكبر بكثير من خبرة الأمريكيين الذين لا يجيدون التعامل مع الشعوب ويتعاملون فقط مع الأنظمة الحاكمة.
وخاصة الفاسد منها، وعندما يسقط نظام يتسللون للنظام الجديد الذي يحل محله، وحاول الأمريكيون التمهيد لهذا النظام الجديد قبل تنحية مبارك باختيار عمر سليمان نائبا له، باعتباره الشخصية المناسبة لاستمرار الأحوال على ما كانت عليه في عهد مبارك، حيث إنه صديق حميم لإسرائيل وواشنطن أيضا، لكن الإسرائيليين كانوا على يقين بأن طموحات الشعب المصري أكبر بكثير مما تتصور واشنطن.
وأن ذهاب مبارك ونظامه على يد ثورة شعبية سيفتح عليها أبواب الجحيم، ولقد لاحظنا بوضوح مدى الرعب والهلع الذي أصاب الصهاينة بسقوط نظام مبارك ومن معه، بما فيهم عمر سليمان، خاصة مع تطور الأحداث بسرعة مذهلة منذ تفجير أنبوب الغاز وتكراره أكثر من مرة، ومرورا باتفاق المصالحة الفلسطينية في القاهرة.
وفتح معبر رفح، ووصولا للمظاهرات بعد حادث إيلات وإسقاط العلم الإسرائيلي من على السفارة في القاهرة، وليس غريبا على إسرائيل التي ترفض حتى الآن الاعتذار لتركيا عن قتلى سفينة مرمرة العام الماضي، أن تبادر بسرعة بالاعتذار لمصر عن القتلى في حادث إيلات، فهي تعلم جيدا أن مصر هي الجبهة الأقوى في مواجهتها والتهديد الأكبر لوجودها..
إسرائيل تعلم أيضا أنها كيان شاذ ومكروه من العرب جميعا، وأن هذه الكراهية لا تفيد معها أية أنظمة حاكمة، ديكتاتورية كانت أو ديمقراطية، فهي كراهية تاريخية ومصيرية،، ومن المعروف أن إسرائيل هي الكيان، أو كما يسمونها «الدولة» الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود جغرافية محددة مع جيرانها، وحتى اتفاقية «كامب ديفيد» مع مصر لم تحدد حدود جغرافية.
بل حددت مناطق شاسعة منزوعة السلاح، وهذه المناطق لا تعتبر، حسب القانون الدولي، خطوط حدود بين البلدين، والبعض يعتقد أن إسرائيل تتعمد ذلك لعدم ثقتها في جيرانها، ولكن واقع الأمر أن الصهاينة على يقين قاطع باستحالة السلام مع العرب، وهذا ليس، كما يقولون، لأن العرب أنفسهم عدوانيون ويريدون محو إسرائيل من الوجود، ولكن لأن طبيعة الاستعمار اليهودي الصهيوني أنه استيطاني وتوسعي في نفس الوقت.
وأن الهدف من وجود هذا الكيان في الحقيقة، ليس كما يقولون إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي، ولو كان كذلك لانتهى الأمر منذ أربعينات القرن الماضي، وباعتراف دولي ضمن حدود متعارف عليها دوليا، لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير، ويدخل ضمن سياسات واستراتيجيات القوى الإستعمارية الإمبريالية العالمية المستمرة في دعمها القوي لإسرائيل منذ تأسيسها حتى الآن، هذه القوى التي تضع منطقتنا العربية على رأس أولويات إستراتيجياتها العالمية.
والتي لا تريد لدول المنطقة النهوض والاستقلال في إراداتها وقراراتها، هذه القوى العالمية التي أوجدت إسرائيل في المنطقة وجعلت منها بؤرة توتر واضطرابات دائمة تستنفذ قوى جيرانها العرب وتزرع الخلافات بينهم، وقدمت لها الدعم غير المحدود من المال والسلاح والتأييد في المحافل الدولية، هذه القوى العالمية نجحت على مدى العقود الثلاثة الماضية في تحييد وتأمين أقوى جبهة ضد إسرائيل، وهي مصر، وبهذا اطمأنت إسرائيل وتفرغت تماما لسياساتها الاستيطانية التوسعية ولممارسة تنفيذ مهامها المكلفة بها في المنطقة وعملياتها الإجرامية التي يستنكرها العالم كله دون جدوى.
الآن ذهب نظام مبارك الصديق، وبقى الشعب المصري الذي يعلم جيدا أن إسرائيل لا تريد له الأمن والاستقرار، ولا تريد له النهوض والتطور ولا استقلال إرادته وقراره، ويعلم جيدا أن الصراع معها « صراع وجود لا صراع حدود.