نقترب هذه الأيام من موعد أداء فريضة زكاة الفطر، هذه الشعيرة التي لا نكاد نشعر بجمالها، لأننا أخذنا برخصة جواز أدائها نقداً عوضاً عن الطعام، السؤال الذي أكرره دائما: لماذا نلجأ إلى تغيير شكل هذه الشعيرة الأساسي من دون داع؟ والجواب الذي أسمعه: لأن الفقراء يفضلون المال، (عيش، من يريد العيش؟) هكذا يقال لك.

ولكن هل كان المشرع غافلا عن أن النفس البشرية تحب المال أكثر من أي شيء آخر، وأن الفقير يستطيع بالمال المعطى له أن يشتري الطعام الذي يريد؟ ثم، من هو الفقير الذي يرفض طعاما من غالب قوت البلد ومن أغلاه كما ذكر بعض الفقهاء، يعني عندما تعطي الفقير خمسة كيلوات من الأرز ذي النوعية الجيدة فهل سيرفضها؟

ما الداعي لتغيير وجه الشعيرة إذن وحرمان أنفسنا وأطفالنا من جمالها ورسوخ معناها السامي في النفس؟ ذلك المعنى القائم على الا يوجد في صبيحة العيد جائع في البلاد؟، لنتخيل أنفسنا وأطفالنا يشاركوننا فرحة شراء الطعام للفقراء، ثم توزيعها على بيوتهم أو تسليمها لأحد الجمعيات الخيرية، مستمتعين بجمال ما نقوم به من عمل ديني وإنساني رائع، عمل لو كان موجوداً لدى غيرنا لاحتفوا به أي احتفاء.

أليس ذلك أفضل من قيام رب الأسرة بدفع مبلغ من المال في صمت؟ لماذا نحرم أطفالنا من حقهم في رؤية هذه الشعيرة بشكلها الصحيح بكل وضوح وإتقان، عوضا عن تحويلها إلى صدقة خفية لا يعلمون بها؟ ولماذا نتهاون في تحقيق عباداتنا وشعائرنا كما شرعت أول مرة وكما ينبغي أن تكون؟

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن الأضحية آيلة هي الأخرى إلى الزوال من ذاكرة الأجيال، وذلك لأن الناس تفضل دفع قيمتها نقداً للجمعيات الخيرية، بدعوى أن هناك من يستحقها خارج البلاد أكثر، لا أظن ومهما كانت المبررات أن ما نفعله هو الصواب، يمكننا الدمج بين مساعدة الفقراء في الخارج وبين تحقيق الشعيرة على وجهها الأكمل والله أعلم، يمكننا إعطاء نصف الزكاة طعاما هنا.

وإرسال نصفها نقدا للخارج، يمكننا الذبح عاماً داخل البلد، وإرسال الثمن نقدا إلى الخارج عاماً آخر، مع ملاحظة أن غالبية الأسر خاصة الكبيرة تضحي بأكثر من أضحية، وعليه يصبح تقسيمها كل مرة بين الداخل والخارج أسهل، ومن المهم جداً ونحن نفعل ذلك أن نوضحه ونريه لأطفالنا، ملفتين أنظارهم إلى قيمة ما نقوم به من عمل، عندما نسعى لمحو الجوع من هنا وهناك فلا يبقى جائع على الأرض.

ليلة المبيت في مزدلفة، هي من أجمل الليالي في حياة معظم من قضاها هناك، أما فجر اليوم التالي فيها فهو أضخم لوحة روحانية يمكن أن تراها العين، تلك الليلة وذلك الفجر يحرم منه الكثير من الحجاج بسبب أخذهم برخصة جواز عدم المبيت بمزدلفة، ولأنني جربت الحالتين، أشعر بأن نصف جمال الحج وروحانيته هو في المبيت في مزدلفة، وأحزن لمدى الغبن الذي نعرض له أنفسنا عندما نسارع بالأخذ برخص وجدت للحالات الخاصة.

تدور في ذاكرتي صورة الحجيج في صبيحة يوم النحر، وهم يملأون دروب مزدلفة ملبين مكبرين، وكأنهم مواكب من الملائكة بطهر قلوبهم ونور وجوههم وأرديتهم البيضاء، ويلوح في خيالي الأطفال وهم يدقون على الأبواب ليعطوا الفقراء طعاماً من الأرز في رمضان واللحم في عيد الأضحى، لأجدني مغمورة بروعة هذا الدين وجماله وسموه، فلا تحرموا أنفسكم من كل ذلك.