ء على مدى ثلاثة عقود مضت، واتفاق كامب ديفيد، بكافة بنوده المعلنة والخفية، يطبق على المستوى الرسمي بين إسرائيل ونظام الرئيس مبارك، ولم تُعر إسرائيل أي اهتمام للشعب المصري الرافض للتطبيع معها، والكاره حتى لوجودها في حد ذاته.. ولماذا تهتم بالشعب إذا كان النظام الحاكم يعطيها كل شيء، وأكثر بكثير مما تطلب!

 ولم يكن ساسة إسرائيل بدهائهم وخبراتهم وقدراتهم المعروفة عنهم في استقراء المستقبل، يتوقعون أن يسقط هذا النظام بهذه السرعة على يد ثورة شعبية، والآن ذهب النظام إلى قفص الاتهام، وبقي الشعب الكاره والرافض للكيان الصهيوني المحتل وجرائمه البشعة. منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة، كان لدى إسرائيل أمل كبير في أن يكون جيل شباب الثورة الذي لم يعاصر الحروب المصرية مع إسرائيل.

والذي تهمه قضاياه الخاصة من الحرية والعدالة الاجتماعية وفرص العمل والفساد وغيرها، بعيدا في تفكيره عن قضاياه الوطنية، خاصة وأن هذا الجيل خضع على مدى ثلاثة عقود لأكبر عمليات غسيل مخ، مارسها معه النظام وشاركت فيها إسرائيل وواشنطن بشكل كبير، حتى ينسى تماما عدوه الحقيقي، وخلقوا له أعداء آخرين من جيرانه وأشقائه العرب والمسلمين.

ومرت أيام الثورة حتى سقوط النظام، دون أن يسمع أحد شيئا عن إسرائيل، مما أعطى أملا للصهاينة في أن تسير الأمور على ما يرام. ولكن ما أن مضت أيام قليلة على سقوط النظام حتى ظهرت مؤشرات غير مبشرة لهم، بداية بالتفجير الأول لخط أنبوب الغاز المصري لإسرائيل.

ومرورا بفتح ملف تصدير الغاز، ونجاح مصر الثورة في تحقيق اتفاق مصالحة بين الفلسطينيين، والمظاهرات الأولى أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وفتح معبر رفح، ووصولا إلى الصدامات الأخيرة على الحدود بعد حادث إيلات واستشهاد عسكريين مصريين برصاص الصهاينة، وفوجئت إسرائيل بأن المصريين تركوا كافة قضاياهم وخلافاتهم.

واصطفوا صفا واحدا يطالبون بطرد السفير وإلغاء كامب ديفيد وتأمين سيناء، وغيرها من الطلبات والشعارات التي لم يكن يتوقع الصهاينة أن تظهر على الساحة المصرية بهذه السرعة. لقد ذهب النظام الذي كان يدافع عن إسرائيل، وبقي الشعب الذي يكرهها، وها هو النظام يُحاكم علنا بسبب دم شهداء الثورة، وها هو اتفاق كامب ديفيد يحاكم أيضا بسبب دم شهداء سيناء، وها هي أحلام وأماني إسرائيل في تغييب مصر وشعبها، تتلاشى وتتهاوى.

لقد حاولوا إقناع هذا الشعب طيلة العقود الماضية، بأن إسرائيل دولة صديقة، وأن حرب أكتوبر هي آخر الحروب، وأننا لسنا أكثر من وسطاء بين الفلسطينيين واليهود، ولسنا طرفا في الصراع مع إسرائيل، وأن عروبة مصر ودورها الوطني ما هي إلا أوهام قديمة بالية، كادت تضيع أرضنا في سيناء لولا كامب ديفيد، ووصل بهم الأمر لاستبدال فلسطين بإسرائيل على بعض الخرائط، وللسعي لإقناع الشعب المصري بأن أمن إسرائيل وأمن مصر واحد.

وأن عدوهما أيضا واحد، وبدأت مصر تتعامل بالفعل مع الفلسطينيين على أنهم أعداء وخطرون على أمن مصر، وكان من الممكن أن يصل الأمر إلى ما هو أسوأ بكثير، لولا الثورة المصرية التي أثبتت أصالة ووعي هذا الشعب العظيم، ومدى إدراكه لقضاياه الوطنية والقومية، ووعيه التام بأن إسرائيل ليست فقط عدوا للفلسطينيين، بل هي عدو لمصر ولشعبها وأمنها، وأن إسرائيل لا تخشى في المنطقة كلها سوى مصر، ولهذا لعبت دورا كبيرا، وربما الدور الرئيسي، في إفساد نظام مبارك من أجل فرض هيمنتها ونفوذها، ومن أجل إضعاف مصر وإيقاف عجلة نموها.

مثلما أسقط دم الشهداء في ميدان التحرير النظام الفاسد، مطلوب أن يعيد دم الشهداء المصريين في سيناء للشعب المصري الروح الوطنية والوعي بقضاياه الحقيقية والمصيرية، وأن تنضم سيناء إلى ميدان التحرير كمرجعية رئيسية يقاس بها مدى مصداقية ووطنية أي نظام حاكم قادم في مصر.