في هذه الأيام بالذات، وبينما تمر مصر بمخاضٍ آخر عسير على طريق حريتها ونهوضها الجديد، يقفز إلى ذهني كثيراً اسم المثقف الكبير أحمد بهاء الدين، صاحب الفكر التنويري والأفكار البناءة عن الحُريّة والعلم والوعي والالتزام بقضايا الوطن..
والذي كان شديد الالتصاق بمصر وقضاياها، وكان نموذجاً لمن يفني حياته الفكرية باحثاً في قضايا أساسية نابعة من الواقع.. (المثقفون والسلطة) و(التحرر في العالم العربي) و(الاستعمار) و(الثورة الاشتراكية) و(الإصلاح الزراعي) و(الاستقلال والتحرر).. وغير ذلك من القضايا الكبرى...
ما أحوجنا في مصر إلى الاستلهام من سيرة الراحل الكبير أحمد بهاء الدين، الذي كان يخوض حرباً مباشرةً ضد الجهل والفقر والتجمُّد الفكري ـ أو عوامل التخلُّف جمعاء - ويتعدى ذلك أيضاً إلى طرح سؤال التنوير، لا من خلال رصد الظواهر فحسب، وإنما عبر التعمُّق في جذورها، ومن خلال الانطلاق من الواقع للإسهام في القضايا العامة.
هذا الاستلهام قادر على المشاركة في الجدل الدائر بعد ثورة 25 يناير المجيدة، عن هوية مصر، ومسارات طريقها الجديد، في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المنحازة إلى الدولة الدينية، وتلك الأخرى التي تبحث عن شكل هذا "التدين"، وفي الحالتين سيكون أبعد ما يمكن عن مدنية الدولة التي تؤسس حقوق مواطنيها على ركيزة فكرة المواطنة والدستور. في هذه اللحظة التي تقف فيها مصر على مفترقاتِ طرقٍ بلغت أسئلتها حد البحث عن قيمة مصر التاريخية ومكانها من العالم، الآن يبزغ في ذهني أحمد بهاء الدين ـ الأستاذ ـ بقيمته الفكرية الكبيرة.
إن مؤرخ "الأيام" التي مرت بمصر، والذي كان يقف في قلب الأزمة ليرصد ما يدور ويحلل ما يرى، كان منهجه يعتمد على الموضوعية التي إن اعتمدناها ونحن نعالج واقعنا المصري الملتبس حالياً، لوصلنا إلى الكثير من الحلول لقضايانا ومشكلاتنا التي ليس أولها سؤال الهوية.
فالذين ينحازون إلى فكرة أن يكون الدين هو المحدد الأهم لشكل مصر القادم، نسوا بالفعل أن مصر هي وادي الدين لا وادي النيل فقط، وأن وسطية مصر واعتدالها كانا من أكثر العوامل التي حددت هوية مصر المتسامحة المتدينة بطيبة ورفق لا تشدد، والتي يجب أن نبحث من خلال سمتها هذا عن شخصيتها.. شخصية مصر. وهي فكرة لها صداها في كتابات الراحل الكبير، تماماً كتفكيكه لفكرة السلطة وشرعيتها في العالم العربي، وهي كلها أفكار لها حضورها الآن في الشارع المصري والعربي، في أوج الثورات المحتدمة والبحث عن مسارات ما بعد الثورة.
إن مشكلتنا في مصر ما بعد الثورة، هي البحث عن المسار الذي ستنتظم فيه أوضاع وطن، وهو مسار يتأرجح بين الانشداد إلى العاطفة القومية، أو الدينية، أو الفكرية المستقلة (العملية والليبرالية)، وهي كلها مسارات لم تحتكم إلى العقل في اختيار منهج الحكم وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وقد بيّن أحمد بهاء الدين في كتابه "شرعية السلطة في العالم العربي"، أن الاتجاهات الثلاثة المفتقدة في الحكم بالأنظمة العربية، وهي "الديمقراطية والعقلانية والشرعية"، يتم الالتفاف فيها على الجوهر تحقيقاً للمسميات، كأن تصبح الديمقراطية صندوق اقتراع مصمتاً، دون أن نُفكر في التوجه الفكري الذي قاد الناخب إلى إعطاء صوته لجهة دون غيرها.. بم تأثّر هذا الناخب ومن وجّهه؟
وهل بنى قراره على اتجاه عقلاني أم عاطفي أم براغماتي نابع من الواقع ومشكلاته وضروراته؟
ما أحوجنا إلى أحمد بهاء الدين وطروحاته عن سؤال التنوير في هذه الأيام.. فهي أيضاً "أيام لها تاريخ".