بعد نحو ستة أشهر من عمر ثورة 25 يناير في مصر، يوحي المشهد العام للكثيرين، وخاصة خارج مصر، بأن الأحوال غير مستقرة، وأن الثورة تواجه مشاكل معقدة يصعب التصدي لها، وأن الاستقرار الأمني أمر يصعب تحقيقه في المستقبل المنظور، وأن الاقتصاد منهار ويستعصي نهوضه على المدى القريب.
وأن الدعم الدولي والإقليمي للثورة يشوبه الغموض، خاصة على الساحة العربية. كما يوحي المشهد بوجود خلافات بين مختلف الجهات والتيارات السياسية على الساحة الداخلية، والتي بدأ الصراع والتنافس بينها على السلطة القادمة، قبل أن تجف دماء شهداء الثورة على إسفلت الميادين، كما يوحي المشهد بأن أعداء الثورة والرافضين لها من فلول وأنصار النظام السابق، ينشطون وتتزايد فعالياتهم، وكأن في داخلهم أملا في شيء ما سيعيد لهم نفوذهم.
رغم كل هذه المظاهر السلبية في مجملها، والتي توحي للبعض بأن الثورة لن تصمد، إلا أننا نلاحظ بوضوح حالة تفاؤل سائدة وطاغية على الساحة الداخلية في مصر، وتعبر عنها الغالبية من أفراد الشعب العاديين في الشارع المصري، كما تعبر عنها النخبة المصرية من سياسيين ومثقفين وفنانين ومسؤولين سابقين وحاليين وحزبيين من جميع الجهات، ولا يمر يوم واحد دون أن يوجه السؤال على شاشات الفضائيات لأكثر من ضيف من النخبة وغيرهم "هل أنت متفائل لما يحدث في مصر؟"، وتأتي الإجابة قوية وسريعة بلا تردد "نعم أنا متفائل جدا".
لا شك أن هذا التفاؤل السائد له ما يبرره، فقد حققت الثورة أكبر وأهم إنجازاتها، وهو إسقاط النظام الذي جثم على أنفاس الشعب ثلاثين عاما، وهو ما كان حلما بعيدا وأملا مستحيل المنال. وبقدر ضخامة وعظمة هذا الإنجاز، بقدر التفاؤل بأن القادم لا بد وأن يكون أفضل، أيا كانت الظروف والمصاعب ومهما كانت العثرات في الطريق.
فالشعب الذي تحمل ثلاثين عاما من الفساد والقمع وانهيار الاقتصاد ونهب الثروات وتراجع مكانة الدولة إقليميا وعالميا، وانعدام الإرادة الوطنية وخيانة الوطن والأمة بالتحالف مع الأعداء ضد الإخوة والأصدقاء، هذا الشعب الذي يضرب به المثل في "الصبر" على مدى تاريخه الطويل، يستطيع أن يصبر ويتحمل المشاق ويواجه كافة المصاعب من أجل إعادة البناء من جديد.
وما حدث خلال الستة أشهر الماضية يبرر التفاؤل ويوحي بالتقدم للأمام بلا تراجع. لقد أيقظت الثورة الروح الوطنية لدى جموع الملايين من الشعب المصري، بحيث نرى الآن فئات الشعب العادية في كل مكان تتفاعل مع الأحداث وتسعى للمشاركة فيها، وهذا في حد ذاته إنجاز غير عادي بالمقارنة بحالة السلبية التامة التي كانت لدى هذا الشعب قبل الثورة، وها نحن نرى الساحة السياسية في مصر تغلي وتفور وتطرح الكثير والجديد من الأحزاب والتيارات السياسية الحقيقية والواقعية.
والتي تتيح لأفراد الشعب أن يختاروا من بينها ما يلائم توجهاتهم بمنتهى الحرية، ودون قيود من النظام الحاكم، حتى التيارات الدينية التي كان النظام السابق يضخم من حجمها ويجعلها وحدها هي الطرف الآخر في الميزان، أصبحت هذه التيارات مجرد جزء من الكل، يتفاعل مع الآخرين ويختلف ويتفق معهم، ولا يستطيع أن يفرض نفسه.
وبعد أن كانت هذه التيارات الدينية توجه خطابها فقط للنظام الحاكم، أصبحت الآن توجه خطابها للشعب وللثوار، وتبرئ نفسها من تهمة الطموحات الخاصة، بل وتسعى أيضا للدخول في تحالفات وكتل سياسية مع تيارات أخرى ليبرالية وعلمانية. لقد استوعبت كافة التيارات على الساحة درس الثورة، وتيقنت من أنه لا عودة للماضي، ولا أمل على الإطلاق في الدوام في السلطة، وأن القرار أولا وأخيرا سيكون للشارع المصري، الذي فرض نفسه خلال الشهور القليلة الماضية من عمر الثورة، كمرجعية أولى وأخيرة لكل شيء.
ألا يكفي كل هذا للتفاؤل بمستقبل أفضل لمصر؟