الكثير من الناس في الشارع المصري يتطلب استقطاب اهتمامهم أن يشهد الشارع حدثاً مدوياً، أو أن تجتاح الحياة العامة واقعة أقرب إلى الزلزال، ذلك أن هناك شيئاً بالغ الأهمية يؤرقهم، ويصرفهم حتى عن متابعة وقائع محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وهذا الشيء هو ببساطة بالغة، خبز الصغار.

وعلى الرغم من أن الوعي يربط، تلقائياً، الحياة السياسية بالخبز والسعي وراءه، إلا أن نظرة سريعة على الواقع المتعلق بهذا الخبز المر كفيلة بجعلنا ندرك أن مصر قد تشهد مرحلة أخرى من الثورة، هي أقرب إلى ثورة ثانية، إذا لم يتحسن الوضع، في القريب العاجل، بالنسبة لهذه القضية التي يمكننا أن نسميها بأم القضايا.

دعنا نتذكر أن الباحث الاقتصادي البيروفي الشهير هرناندو دي سوتو، أعد ومعه فريق من الباحثين الدوليين دراسة مفصلة، بتكليف من الحكومة المصرية، وضعت على الرف في حينه قبل سنوات، لكنها تحمل نتائج مرعبة، من حقنا أن نستشرف بعضها الآن، لأننا نتوق أن تكون وراء دوي في الشارع المصري، أعلى من هدير المدافع التي تشهده بعض المدن العربية الآن في أكثر من قطر عربي.

تشير هذه الدراسة إلى أن المشروعات غير الرسمية، مشروعات الظل إن أحببت، تشغل من العاملين ما يزيد بنسبة 40% عن المصريين الذين يعملون في شركات ومؤسسات مسجلة رسمياً.

وتفيد الدراسة نفسها أن المرء يحتاج إلى 500 يوم لكي يتمكن من تسجيل مخبز صغير في مصر، ويحتاج إلى عشر سنوات لكي يحصل على قطعة أرض بشكل مشروع، ومن هنا تحول الفساد إلى طريقة حياة، ولم يعد استثناء من القاعدة.

وإنما غدا القاعدة بأمها وأبيها. وفي ضوء صعوبة الحصول على الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية، لا يستطيع أحد أن يعرف الآن بدقة ما الذي يجري تحت آفاق الحياة الاقتصادية المصرية، ولكن المرء يكفي أن يلقي نظرة واحدة على الشارع المصري لكي يعرف مدى تضرر السياحة، التي توفر وظيفة من كل سبع وظائف في مصر.

وتمثل 11% من إجمالي الناتج المحلي، وحسبما تشير الحكومة المصرية فإن عدد الواصلين إلى مصر في رحلات جوية في ابريل الماضي كان أقل بنسبة 35% مقارنة بعددهم في ابريل العام الماضي.

ووصل الانخفاض في الربع الأول من العام الحالي إلى 46% مما كبد مصر خسائر قدرت بملياري دولار، وفاقم الوضع في الصيف، على الرغم من وصول التنزيلات في فنادق جاردن سيتي إلى 50%، ولا يختلف الوضع كثيراً في شرم الشيخ.

بالطبع، هذه الصورة الكئيبة لن تدوم إلى الأبد، ولكن علينا أن نتذكر أنه في كل عام يدخل إلى سوق العمل سبعمئة ألف شاب مصري يحلمون بالهرب من شبح البطالة، وإذا لم تقدر لهم فرص عمل، فإنهم يتحولون تلقائياً إلى جزء من بارود الانفجار الذي نحذر منه. حسب إحصائيات الحكومة المصرية، فإن الربع الأول من العام الحالي، شهد خروجا صافيا للاستثمار المباشر من مصر يقدر بـ163 مليون دولار، بينما كان هناك دخول لهذا النوع من الاستثمار في الربع الأخير من عام 2010 قدره 665 مليون دولار.

غير أن ذلك لا يحجب الحقيقة الأساسية، وهي أن المعالم الأساسية للاقتصاد المصري لم تتغير، ولهذا بالضبط لم تتدافع الشركات الأجنبية الكبرى هاربة من مصر، فهي تريد الاحتفاظ بموقعها في سوق يضم 85 مليون نسمة، ولكن غياب الاستقرار السياسي يبقي المستثمرين على توترهم.

والثورة يمكنها أن تجعل من مصر بلداً مزدهراً حقاً، ولكن هذا مرتبط بعودة دولاب الإنتاج إلى الدوران، وبوجود رؤية، أو مشروع، أو تصور أو استراتيجية للانطلاق نحو المستقبل. وهذه الرؤية إذا لم تترجم إلى واقع يلمسه الناس بأيديهم وأسنانهم، فإن دوي المدافع في المدن العربية يمكن أن يغدو شيئاً هيناً مقارنة بما يمكن أن يندلع في المدن المصرية. لقد قيل كثيرا إن الديمقراطية هي الإطار الأمثل للإنتاج، وقد آن الأوان للتأكيد ــ من خلال العمل والممارسة على أرض الواقع ــ أن هذا القول صحيح، وقابل للتطبيق، وليس مجرد شعار تبتلعه أدغال الحياة في العالم الثالث بكل ضراوتها.