يمتد الوطن العربي من المحيط الأطلسي غرباً إلى الخليج العربي شرقاً ومن أقصى جبال طوروس شمالا وإلى سلسلة جبال عمان جنوبا، تبلغ مساحة الوطن العربي14 مليون كم مربع، وعدد سكانه 200 مليون نسمة، يزخر الوطن العربي بالثروات الطبيعية الهائلة ومن أهمها النفط، عمل الاستعمار على تقسيم الوطن العربي إلى دول ودويلات وزرع دولة إسرائيل في قلبها لمزيد من التفتيت ومنع الوحدة، ولكن أبناء الوطن العربي يسعون جاهدين إلى تحقيق وحدتهم من خلال مؤسسات مختلفة مثل جامعة الدول العربية.
هل لا زلتم تذكرون ذلك؟ وهل لا زلتم تحملون ذلك الوطن في أعماقكم، وتعتبرون وجوده حاصلا بشكل من الأشكال في الحاضر، وسائرا إلى التحقق أكثر في المستقبل مهما بعُد؟
لقد كنا ندخل في المآسي ونخرج منها حاملين نظرية المؤامرة إطارا ونبراسا، ومتيقنين أن حلولا جذرية لن تكون لبلادنا إلا بتخطيط من الآخرين أو بإرادة إلهية تأتي بالمهدي وبالمسيح عليه السلام. إلى أن جاء عام الثورات أو ربيع العالم العربي مفاجئا للجميع وحاملا لنا الإجابات والأمل والوعود، لنجد المآسي في بلادنا خليطا من رواندا والبوسنة وأفغانستان، ولنجدنا كأننا بين قبائل آكلي لحوم البشر، أو عصابات المافيا أو ساحلي العيون وباقري البطون، صدمة الضمير العربي بأن يكون منا، من بني جلدتنا أناس بهذه البشاعة، ولقد دخل الكثيرون في مرحلة تبلد الأحاسيس.
ولكن ما وقر في الضمير هو الصدمة الهائلة التي علينا تدارك أمرها لكي لا تضر بنا أكثر مما أضرت. اللحظة الراهنة تلقي علينا بتبعات من نوع خاص، هناك حرية وأمل بالنهضة نعم ، ولكن أحدا لم يتوقع أن تسير الأمور بهذه البشاعة، ربما لأن شيئا كهذا لم يحدث من قبل، وأكثر من يجب عليه حمل العبء والمسئولية هم مثقفوا هذا الوطن ونخبه الفكرية. فالطريق لا يزال في أوله والمعاناة هي الوجه الماثل أمامنا حاليا في أكثر من قطر. فكما أن لكل شيء جذور ولبنة أولى ، فكذلك للأوطان والأمم، لكل أمة بدؤها ونباتها الأول، أولئك الذين تجردوا من الذات في سبيل بناء الوطن، فأسسوا له وأنشأوا تكوينه النفسي والروحي، علينا أن نتساءل اليوم ونحن نفكر في العالم العربي الكبير عن حملة لوائه.
عند بناء الأمم العظيمة كان دائما أولئك المؤمنون بالفكرة، المتكاتفون والمضحون بلا حدود، اليوم نقف عند نقطة بناء ضخم، عصر طويل يزول، وعصر آخر منتظر في أجزاء كبيرة ومهمة من بلادنا. وكم هو صعب أن يستمر تلاسن المثقفين وتطاحن المتحزبين، وتناحر المشرقين والمغربين، وكأننا في قلب حرب وأتون معركة لا ندري عما ستسفر عنه ولا إلى أين ستسوقنا نتائجها.
لا يزال المثقفون يتصرفون كما في الماضي الذي انصرم عهده منذ شهور، لا زالوا منقسمين على أنفسهم، في الوقت الذي لم يعد فيه الوضع يحتمل إلا وجود خندقين فقط في أحدهما يربض الوطن، الآن على الأقل حتى تنجلي المعركة عن غبارها، فأين يولي العربي البسيط وجهه، عندما يرى وحوشا هنا ووحوشا هناك، بمن يثق وكيف يثق بأن الدنيا بخير وأن وطنه سائر للتقدم، وأن القادم أجمل.
لقد فشل الساسة في إقامة الوطن العربي الواحد، فهل نجح المثقفون في إقامته فيما بينهم؟ نحتاج إلى وثيقة شرف تجمع من أراد أن يكون من المثقفين والمفكرين نواة هذه الأمة وحاملا لفكرتها بتجرد وإخلاص، لقد ظللنا لعقود نتابع القوميين والإسلاميين واليساريين وغيرهم، نريد اليوم ونحتاج بشدة إلى جسم فكري ثقافي واحد يجمع كل هؤلاء، ويشعرنا بالأمان الفكري والوطني، بدون ذلك سنمضي إلى مزيد من التشتت والأفرقة والبلقنة وكل ما مر بالتاريخ والجغرافيا من دندنة على أوتار الضعف والتشتت والضياع.