صوم رمضان والحج أكثر أركان الإسلام تأثراً بحالة الطقس، وبالتالي أكثرها حاجة إلى مراعاة ذلك من الجميع أفرادا ومؤسسات وحكومات. وبالنسبة للصوم فإن إنكار البعض بأثره على انخفاض إنتاجية الفرد، وادعائهم بأنه على العكس من ذلك دافع للعمل والبطولات لا يبدو منطقيا ولا متناسبا مع طبيعة الجسم البشري الذي يتأثر حتما بالامتناع عن الطعام، وذلك لا يعني التوقف التام عن العمل أو يبرر التقاعس، إلا أنه يبرر خفض ساعات العمل ومراعاة الموظفين والعاملين قدر المستطاع.
تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات لا بد أن ينظر إليهم بمعزل عن الموظفين الراشدين العاملين في مختلف القطاعات في شهر رمضان، وذلك لوقوع معظمهم في مرحلة النمو من جهة، ولأن عملية تلقي العلم تحتاج إلى جهد وتركيز أكثر من غيرها من الأعمال من جهة أخرى، قد يتساءل البعض وما الداعي لهذا الكلام ورمضان بدءا من هذا العام يقع في الإجازة الصيفية ؟
والجواب، أن الفرحة بالإجازة لن تدوم، فبعد أربع أو خمس سنوات من الآن سيقع رمضان في قلب فترة الامتحانات النهائية، ولا شك أن في كل بيت ذكريات مريرة تتعلق بذلك، عندما كان الطالب لا يعرف متى يصحو ومتى ينام ومتى يذاكر، وعندما كان يرى ورقة الامتحان دوائر تدور في دوائر، لذا لا بد أن يبدأ الحديث اليوم لفعل شيء ما لمواجهة الأيام الصعبة المتوقعة.
أعتقد بأن علماء الدين مطالبون بقول كلمة واضحة في ذلك، لا لدوام الطلبة والتلاميذ في رمضان، ولا أكثر حسما للامتحانات في رمضان، يجب أن تقال مرة واحدة وتظل للأبد بعد ذلك، لأنه كلما ابتعد الزمن برمضان عن المدارس عاد واقترب منها وهكذا إلى أن يشاء الله، الفتوى الدينية مع التشريع الحكومي هو المطلوب وعلى مستوى العالم الإسلامي. أما السكوت عن عذاب أبنائنا في ذلك الوضع السيئ فهو غير مقبول، ولنا في الأولين أسوة فلقد كانوا يغلقون كل كتاب غير كتاب الله في رمضان.
في الحج تواجهنا مشاكل مشابهة مع الحر الشديد أو السيول والأمطار والعواصف، ذكر لي أحد المشايخ أن الجثث الآدمية كانت مختلطة مع الطين والصخور والمياه عندما سقطت أمطار غزيرة في منى في موسم الحج قبل سنوات قليلة، وأنه تحدث إلى أحد العلماء هناك بضرورة إصدار فتوى بإلغاء المناسك مادامت الأمطار بتلك الغزارة، ولكن ذلك لم يتم، والمأساة مرشحة للتكرار في أي موسم حج، أليس ذلك مدعاة لأن يقول العلماء كلمتهم في ذلك، وإن كان الأمر بدرجة إلغاء نسك؟
التشريعات الدولية تراعي الطقس في أمور مشابهة، وتضع حدا لأعلى وأقل درجة حرارة يسمح للعمل تحتها، ولو كان للقوم رمضان كرمضاننا وحج كحجنا، لاجتهدوا في وضع القوانين التي تحمي صحتهم وتراعي قدراتهم. الغريب في الأمر، أن هذا الدين الذي راعى كافة ظروف الإنسان من مرض وسفر وجهاد، فخفف الصلاة وأباح الفطر ورخص التيمم، يوقفونه عاجزا أمام موسم الامتحانات الموقر، أو مفاجآت الطقس لمواكب الحجيج، ولسان حالهم يقول: موسم ويمر، غير مبالين بشعور الكره للدين الذي قد ينتج من جراء ذلك.
المأساة أننا نتفنن في التطبيق الخاطئ لمعاني الدين، وهاهو العالم يشاهد العرب، فهنا حكومة تذبح المصلين في المساجد في شهر الصوم، وهناك شعب ينصب المحاكم لرئيسه المخلوع في نفس الشهر، فأي أمة هذه التي لم تجد إلا شهر صومها لتنصب فيه محاكمها ولو بالحق؟ لا شك أن ذلك من الشئون الداخلية للآخرين، ولست أنحاز إلى أحد هنا بقدر انحيازي إلى روحانية رمضان وقدسيته ومكانته عند كل المسلمين، وبقدر انحيازي إلى عظمة هذا الدين ورقيه وإحسانه وجماله.