شأن كل كيان كبير، تواجه مصر مشكلات كبيرة، من دون أن تبدو في الأفق ملامح حلول حقيقية، ولو في الحد الأدنى، لجانب من هذه المشكلات، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: إلى أين تمضي مصر؟

هناك من يقول إن مصر تمضي في الطريق الصحيح، وما تواجهه من متاعب الآن هو جزء لا يتجزأ من الثمن الصعب الذي يدفع في إطار السير على طريق الديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية في جوهرها انعكاس لاختلاف الآراء، وما تشهده مصر هو في جوهره، تجسيد لاختلاف الآراء.

هناك بالمقابل من يرى أن ما يجري ليس تجسيداً لحياة ديمقراطية، وإنما مسلسل من الصراعات، سينتهي بحسب رؤية المنتمين إلى هذا التيار إلى خروج الجيش في تحرك يردد أصداء ما شهدته مصر من قبل في عام 1954، وهكذا تكون مصر قد قامت برحلة دائرية أعادتها إلى حيث كانت قبل ما يزيد على نصف قرن أو أكثر.

وفي غضون ذلك، يتابع الكثيرون باهتمام دقيق كل ما يتعلق بمحاكمة الرئيس المصري السابق ووزير داخليته، باعتبار أن هذه المحاكمة دليل على أن الثورة بدأت تعطي ثمارها، وتؤكد أن تغييراً حقيقياً قد حدث، ولا سبيل إلى التراجع عنه.

وفي الوقت نفسه، يعكف كثيرون على دراسة ميادين مصر وما يجري فيها، والتقارب والصدام بين القوى المختلفة، مع اهتمام خاص بما جرى مؤخراً في ميداني التحرير والعباسية. لا أحد ينكر أن ما يجري في إطار النخب السياسية في مصر مهم ودال ومؤشر على اتجاهات المستقبل، ولكن السؤال الكبير هو: ماذا عن الجماهير المصرية التي يتعين أن تتعايش مع ما يجري وانعكاسه على الأوضاع الأمنية وعلى واقع الحياة اليومية؟

إن أخطر ما يجري في مصر الآن هو أن يحدث انفصال حقيقي بين اهتمامات النخبة وانشغالها، وبين واقع الجماهير المصرية وما تعانيه، والذي لم يتغير بأي شكل من الأشكال، وهو انفصال لا بد أن ينعكس سلباً على جريان نهر الحياة.

ولهذا، على وجه الدقة، ارتفعت أصوات عديدة تحذر الثوار من أن ما يجري في ميادين مصر ليس هو كل شيء، وإنما جوهر مستقبل مصر هو ما يجري في مصانعها وورشها وحقولها ومحاجرها ومواقع إنتاجها على اختلافها، والكثير منها وصلت الحركة فيه إلى حد التجمد والشلل التامين، على نحو غير مقبول، ومن شأنه أن يفضي إلى عواقب وخيمة.

وبينما يجري هذا كله، يذهب تيار آخر إلى تأكيد تفاؤله والقول إن الانتخابات البرلمانية والرئاسية، حين تجرى وأياً كان الإطار الذي ستجرى فيه، لا بد أنها ستنقل مصر نقلة نوعية، وستضعها على مسار مختلف يقودها إلى مستقبل أفضل.

نتمنى أن يحدث هذا حقاً، ولكننا لا نملك إلا أن نلفت النظر إلى أن قطاعات واسعة من الشعب المصري درجت تقليدياً على تجاهل الانتخابات، لاعتقادها أنه أياً كان ما سيجري في الانتخابات فإنه لن يؤثر على واقع الحياة المعيشة، في نهاية المطاف.

ويظل أخطر ما في هذه الخارطة المعقدة غياب الإرادة السياسية، المنعقدة على تغيير حقيقي قادر على تجاوز هذا التمزق الراهن إلى أرضية تتيح لمصر الانطلاق إلى أفق جديد ومختلف، أفق يستشرف نهضة حقيقية، وبناء طال انتظاره، وإنتاجاً توقف دوران دولابه.تظل مصر كياناً كبيراً حقاً وعظيماً، ويجمع كل محبيه على أنه يستحق أفضل مما يشهده الآن، وأنه جدير بانطلاقة كبرى تحمله إلى مستقبل كان جديراً بارتياده منذ عقود مضت.

ويظل من حق مصر علينا أن نؤكد أن الثورة ليست فقط محاسبة الماضي، على الرغم من أن هذه المحاسبة ضرورية، وإنما جوهرها التجاوز الخلاق والفاعل والأصيل للعقبات، وصولاً إلى مستقبل أفضل، طالما حلم به الملايين من أبناء مصر، وآن الأوان لكي يصلوا إيه.