فضيحة الإعلام البريطانية المثارة حالياً لا تستهدف واقع الأمر تنقية أقنية الإعلام من الشوائب والمفاسد. الحملة تتقصد وضع حد لنفوذ روبرت مردوخ إذ تجاوز الممكن والمحتمل.

التنصت الهاتفي ليس بالممارسة الجديدة في الصحافة البريطانية. هناك صحف لندنية تعتاش على هتك الأسرار الخاصة. مثلث السياسة والمال والجنس يشكل الإغراء الأكثر جاذبية للنشر والتوزيع لدى ما يسمى بـ«الصحافة الصفراء». تلك مدرسة لم يبتدعها مردوخ لكنه استثمر فيها.

أبعاد الفضيحة لا تنحصر في هتك أخلاقيات العمل الصحافي. للقضية تداعيات اجتماعية وثقافية واقتصادية مثلما هي للسياسية.

شرطة العاصمة البريطانية تعرضت إلى زلزلة تتجاوز توابعها ما أصاب الصحافة البريطانية. الفضيحة كشفت الفساد داخل المؤسسة اللندنية فبددت صيت صرامتها وهشَّمت صورة نزاهتها. مردوخ قدم إحدى صحفه قرباناً بينما أطاحت الفضيحة بأكبر رأسين في اسكوتلنديارد حيث لاتزال التحقيقات تبحث في الوكر البوليسي.

لماذا التركيز على روبرت مردوخ تجاوز تسليط الضوء على ممارسات الصحافيين غير الملتزمين بأخلاقيات المهنة؟ كيف يغمض المحققون عيونهم عن وفاة الشاهد الأول في ظرف غامض؟ الإجابة على مثل هذا التساؤل تكشف جانباً من استهداف الرجل أكثر من تصحيح سيرة الإعلام. انفجار الفضيحة داخل إمبراطورية مردوخ لا تعفيه من مسؤولياته لكن أصابع الاتهام لم توجه إلى القياديين في المؤسسات الصحافية المتورطة في الفضيحة على نحو مواز.

مردوخ ليس أسطون الإعلام الوحيد متعدد الشبكات التلفزيونية والورقية. في لندن توجد امبراطورية دوثرمير كما تشاندلر في لوس انجليس. بيرلسكوني قطب أحادي في إيطاليا. في موسكو يسخر فلاديمير بوتين أجهزة الإعلام الحكومية بهيمنة قيصر متملك. روبرت مردوخ تجاوز الخطوط الحمراء. هو لا يملك فقط أكثر مما يجب بل أمسى يفعل أكثر مما ينبغي. إمبراطورية مردوخ الإعلامية تمتد عبر ضفتي الأطلسي إلى استراليا غرباً والصين شرقاً. شبكات التلفزيون تحقق 14 مليار دولار سنوياً. الإمبراطورية تكسب 8 مليارات دولار في السينما والترفيه. الصحافة تحقق 6 مليارات. هذه الأرباح الطائلة تثير حسد المنافسين غير أن الرجل لا يثير فقط غيرة رجال المال.

مردوخ ليس مثل بيرلسكوني يكرس امبراطوريته من أجل تحقيق طموحاته السياسية ونزواته الذاتية. مردوخ أمسى صانع سياسيين ورجال دولة يطلب خدماته الساسة المغامرون والطامحون. على قدر اتساع رقعة امبراطورية مردوخ المالية ينتشر نفوذه السياسي.

بما أنه لا يوجد إعلام محايد فإن ماكينة مرودخ العملاقة باتت في خدمة تيار يميني ديماغوغي «فوكس نيوز تؤدي دوراً كبيراً في تأزيم الصراع السياسي وتراجع النقاش العقلاني في الولايات المتحدة».

صحيفة «صن» اللندنية لا تكتسب شعبيتها من صورها الفاضحة فقط بل كذلك من تأثيرها السياسي. يوم اصطفت «صن» ضد غوردون براون خسر الرجل معركته الانتخابية. البعض عزا الخسارة إلى رفض زعيم العمال عقد صفقة مع رجل المال.

بما أن تأثير مردوخ أصبح عابراً للقارات أضحى رأسه مطلوباً. فضيحة التنصت ليست غير نافذة لاستدراج الرجل. بما أن استجواب القطب الإعلامي لا يعني نهاية نفوذه فربما لن تضع الفضيحة نهاية للإمبراطورية عابرة القارات. الأكثر إلحاحاً وجدوى هو كبح نفوذ مردوخ السياسي. الرجل الثمانيني لن يكون أسطون الإعلام الأخير لكن ربما تضع فضيحة التنصت نهاية لعهد أساطين الإعلام.

لعل النبش في سيرة مردوخ يكشف ظل إمبراطوريته المالي ونفوذه السياسي في الوطن العربي.