لو كان قيام الدولة الفلسطينية والتحاقها بمنظومة الأمم المتحدة، كعضو مستقل أو تحت الاحتلال، مرتبطا فقط بتوفر الشروط والمحددات القانونية التقليدية، لتم ذلك للشعب الفلسطيني منذ أمد بعيد. فأحكام القانون والتنظيم الدوليين وشرعة الأمم المتحضرة، ولا سيما شقها الموصول بحقوق الشعوب في تقرير المصير، لا تشكك في جدارة هذا الشعب وأحقيته في الدولة المستقلة ذات السيادة. وإذا أضفنا إلى هذه المسوغات العامة أن التنظيم الدولي، وعلى قمته الأمم المتحدة، قد ثبت هذه الأحقية وخصها بقرارات تعز عن الحصر، بات السؤال المنطقي هو: لماذا لم تقم هذه الدولة حتى الآن؟

كلمة السر، تقع بالخصوص على عاتق السياسة. بالقانون يحق للفلسطينيين ممارسة حياتهم في دولة مستقلة، شأن بقية خلق الله من الشعوب. لكن عالم السياسة المركب؛ المكون من مدخلات وموازين قوى تحددها عناصر منظورة وغير منظورة شديدة التعقيد والتعامد على بعضها البعض، كان له ماضيا، مثلما أن له الآن وحتى إشعار يصعب تحديده، رأي آخر.

في إطار هذا العالم السياسي الفسيح، بصُعده المحلية والإقليمية والدولية، تدور راهنا رحى معركة ضارية بين العاطفين على التوجه الفلسطيني لإعلان الدولة وطلب عضويتها في الأمم المتحدة، والمعادين لهذا التوجه والمرجفين به.. معركة متعددة الأطراف والجبهات والأدوات؛ تجري خلالها عمليات من المساومة والإغراء والإغواء والترغيب والترهيب والمناورة..، التي لا تستثني شريكا دوليا يملك صوتا في الأمم المتحدة،. ومع أن حصاد هذه الحملة التفاوضية الكبرى، يبدو مطمئنا لجهة ترجيح كفة الجانب الفلسطيني يوم التصويت العظيم، لا سيما في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه يصعب تقدير نتيجتها النهائية في ضوء الحوافز والضغوط التي تمارسها الجبهة المضادة، وقطبها الأميركى بالذات.

وعموما توحي النظرة البانورامية للمشهد السياسي المحيط بالخطوة الفلسطينية، بما يلي: أولا، أن الإدارة الأميركية تتعامل مع هذه الخطوة بروح عدائية، وهي ليست في وارد التسامح معها أو السماح لها بالمرور.. وعليه، يجب أن يتهيأ صانع القرار الفلسطيني لتوابع هذا العداء من إدارة تظن أنه يضمر تحديها، وأن خطوته قد تنقص من هيبتها.

ثانيا، لا ينبغي التهوين من شأن تأثير حالة الغضب والتغيير الثوري العربي، في شحذ العواطف الشعبية وبعض الهمم الرسمية، حول القضية الفلسطينية.. غير أننا نتوجس من احتمال وجود توابع وتداعيات سلبية لهذه الحالة تعمل في الاتجاه المعاكس، كانشغال المحيط العربي بتفاعلاته الداخلية عن المتابعة طويلة النفس لموضوعة الدولة الفلسطينية، أو رخاوة بعض النظم بفعل الضغوط الداخلية أو الخارجية القائمة.

ثالثا، أن التوافق الفلسطيني على دولة في حدود 1967 في أجواء المصالحة الوطنية، ينزع ذريعة الخلاف الفلسطيني من إضبارة العداء لاستحقاق الدولة.. بيد أننا نتخوف من بطء إجراءات المصالحة، الذي يفسد مشهد الوحدة خلف هذا الاستحقاق، ويمنح قدرا من الصدقية لدعوى عدم وجود شريك فلسطيني جاهز للتعامل معه.

رابعا، ثمة مبررات للاعتقاد بأن ديمومة الانقسام الفلسطيني، أو حتى ميوعة تطبيق المصالحة، تخصم من الرصيد السياسي، وربما القانوني أيضا، للمطلب الفلسطيني، على اعتبار أن الجبهة المضادة سوف تتبجح بالسؤال عمن يمثل الدولة المقصودة؟ ولن يقلل من شأن اللغط بهذ الصدد، أن يرفع الفلسطينيون لواء منظمة التحرير كممثل جامع لهم.. إذ قد لا يجد بعض الدول الوقت وسعة الأفق اللازمين لاستيعاب خريطة السياسة الداخلية لفلسطين.

 

mohamedalazzar@hotmail.com