يقولون العدل أساس الملك، ودستور دولة الإمارات ساوى بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولم يفرق بينهم، ولكن في السنوات الأخيرة طفت على السطح ظاهرة غريبة على مجتمع الإمارات بقطاعيه العام والخاص، والعام بقسميه الاتحادي والمحلي، ألا وهي ظاهرة الرواتب التي تفاوتت تفاوتاً كبيراً ليس له ما يبرره.

مما جعل الناس يتذمرون ويشتكون مر الشكوى، وتكلم كبار المسؤولين فنبهوا إلى ضرورة معالجة الوضع حتى لا يتسبب في مشكلات اجتماعية واقتصادية نتيجة الفوارق التي أحدثها هذا التفريق في الرواتب، وكذلك بعض الامتيازات التي أعطيت هنا وهناك وحرم منها آخرون.

إننا في دولة واحدة نعيش على مركب واحد وحياتنا متشابهة في كل شيء، ونقتنع بوجود مواطنين وغير مواطنين، ونؤمن بوجود الفوارق المكتسبة، ولكن أن يتم التقسيم لاعتبارات غير منطقية وغير إنسانية أحياناً، فهذا يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، ولا شك أنه يزرع في النفوس الضغائن وينمي الأحقاد، وهذا شيء لا ترضاه العقول الراجحة التي تتولى مسؤولية هذا الوطن.

نعم، للمواطن الحق في أن يتميز في دخله على نظيره غير المواطن، وهذه حقوق اكتسبها لمواطنته، ولكن هل يعقل أن توضع كوادر للرواتب ترتفع ارتفاعاً كبيراً جداً في مكان، وترتفع في مكان آخر عن الأول، وترتفع في الثالث بدرجة معقولة، ولكنها تتدنى وتنعدم في طبقات أخرى، أهمها الأطباء في وزارة الصحة، والمدرسون في وزارة التربية والتعليم؟

بأي حق يكون اختلاف الرواتب بين أبناء الوطن الحاصلين على نفس المؤهل الجامعي؟ وتحت أي تفسير يكون راتب الطبيب في وزارة الصحة أقل من راتب الجندي في العسكرية والشرطي في الشرطة؟

كيف نتكلم عن نقص في الأطباء والمدرسين ونحن نقفل أبواب الأمل أمامهم، إذ إن رواتبهم أقل من الموظف العادي في بعض الوظائف العسكرية أو الشرطية أو في البنوك ووسائل الإعلام، فكيف سنحفز الأبناء لدراسة الطب والتخصص فيه؟ وكيف سنشجعهم على الانخراط في سلك التدريس ونحن نغلق الأبواب أمامهم وندفعهم بأفعالنا غير المحسوبة؟

يقال إن أفضل من يدرس للنشء هم أبناء نفس الجلدة والبلد، فهل سنستمر في استيراد المدرسين ثم نشتكي من تدني مخرجات التعليم؟ ألا نؤمن بأن ما حك جلدك مثل ظفرك؟ وكلمة الحق يجب أن تقال؛ لا يوجد من هم أحرص على الوطن والحفاظ عليه من أبنائه في جميع المجالات.

إن الرجوع للحق فضيلة، ومساواة الرواتب في الأساسي والمخصصات، لا بد أن يعاد النظر فيها وتقاس بمعايير إنسانية ومنطقية من أرض الواقع.

نعم، لكل عمل طبيعته، وهنا يكون الفرق في إعطاء علاوة فنية بدل طبيعة العمل، تكبر وتصغر، ولكن تتساوى أساسيات الرواتب حسب الدرجات العلمية، وتبدأ من الثانوية العامة ثم الجامعة ثم الدبلوم ثم الماجستير والدكتوراه، وتؤخذ في الاعتبار سنوات الخبرة ويوجد لها تصنيف، إما في بداية المربوط أو نهايته. أما بالنسبة لبدل السكن فيرتبط بمستوى الدرجة التي استحقها الموظف وعُيِّن عليها، مع مراعاة مكان العمل.

إن تصويب هياكل الرواتب على مستوى الدولة، للقطاعين الحكومي والخاص، أصبح ضرورة ملحة، تخدم الوطن وتدعم أمنه واستقراره وتقدمه، وليس من المنطق السكوت والتمادي في الخطأ وانتظار المجهول.