لزمن طويل لم يكن أمام الناس من أجهزة الترفيه الكهربائية المنزلية شيء سوى التلفاز، وظلوا على مدى أجيال يقارنون زمنه بما كان قبله من أزمان، متحسرين على الأيام الجميلة الماضية، ومبالغين في تعداد سلبيات هذا الجهاز الذي نعده اليوم طفل الالكترونيات البريء، بدءاً من جعلهم يجلسون خطا واحدا بعد أن كانوا يتحلقون في جلسات حميمة ينظر فيها أحدهم في عيني صاحبه أثناء الحديث، وليس انتهاء بأثر أفلام الكرتون وما تحويه من عنف على سلوكيات الأطفال مرددين القصة الشهيرة (قفز ولد من النافذة مقتدياً بسوبرمان، فمات).

ويمشي إنسان اليوم محملا بأكثر من جهاز، ولا يزال المستقبل واعدا، والضحية هو أدمغتنا التي تتناقص صلاحيتها للحياة الحقيقية، وتتقلص قدراتها على استيعاب العلم، وتتلاشى طاقتها على التأمل سعيا للحياة الروحية الضرورية لنا، يوما بعد يوم يحل الصمت بين الناس، ليسكن وش إلكترون رؤوسهم، وكم هو جميل أن نقول لا في وجه هذا الوحش الظريف، ونحرر أنفسنا من الرغبة الجامحة في اللحاق بكل جديد مهما ظهرت سلبياته لنا، ونجد أنفسنا أحق بأوقاتنا من الرغبة المزيفة في التواصل مع بشرٍ نعرفهم ولا نعرفهم.

واليوم ومع تقنية البلاك بيري، فإن هيئة الجلوس لم تعد عائقاً أمام فيروس القطيعة الجبار، وسواء جلسنا في خط مستقيم أو في دائرة، فإننا نبدو كالمنزوين كل في جزيرته الخاصة، وصارت العلاقات الاجتماعية متسمةً بالغرابة والانقطاع النفسي التام، والتواصل الإنساني بات يشوه بطريقة لم تحدث في التاريخ، ونحن نتفرج ونشارك ونسير في القافلة.

فما العمل والحالة هذه؟ هناك عمل كثير يمكننا القيام به لمواجهة ذلك، وحماية أنفسنا وأبنائنا مما سبق، وحماية الأطفال من البلاك بيري تحديداً مسؤولية الجميع، وليس مقبولاً أن يأتي طفل التاسعة ليطالب بالبلاك بيري كما هو الحال مع ابني، الذي صار مهووساً بحلم امتلاك البلاك بيري، والسبب أنه يراه بين يدي أولاد في السادسة من أعمارهم، لنفكر جميعاً في ملامح هؤلاء الأطفال النفسية والفكرية وحتى الجسدية بعد عشرة أعوام من الآن، هل تظنونهم سيكونون شيئاً آخر غير ريبوتات شبيهةٍ بالإنسان؟!

عيبنا نحن العرب أن الجديد يلغي القديم تماما أو يكاد، بينما في العالم الواعي يتم الاحتفاظ بالقديم والسابق قدر المستطاع جنباً إلى جنب مع ما يستجد، زرت صديقة أجنبية تسكن شقة من ثلاث غرف وصالة المعيشة بالكاد تكفي لجلسة التلفزيون وطاولة طعام صغيرة، ولكن المكتبة كانت موجودة هناك، خارطة العالم بمقاس كبير جدا كانت معلقة على الحائط، وطاولة البلياردو كانت حاضرة أيضاً، وزرت عائلة عربية في شقة مشابهة تقريباً، فوجدت عوضاً عن المكتبة خزانة زجاجية رصت عليها التحف ولا أثر لأي لوحة تعليمية أو لعبة مفيدة في البيت، لا شيء سوى التلفاز والحاسوب والبلاك بيري!

المكتبة هي الحل القديم والجديد والدائم، وليس صحيحاً أن أطفالنا لا يحبون القراءة، بل إنهم على العكس من ذلك يجرون نحو أي كتاب يقدم إليهم بطريقة مناسبة، يجب أن تكون المكتبة قريبة منا ومن من أبنائنا، في مدى أنظارهم وأيديهم، تنمو وتزدهر وتكبر معهم، فنفيء و يفيئوا إليها تلقائيا عند الشعور بالضيق والملل والرغبة في الارتماء في أحضان أي شيء متاح وإن كان الخدر والإدمان والضياع.