تتوالى الضربات الجويّة على ليبيا منذ أكثر من مائة يوم، والهدف المعلن في القرار 1973 أصبح بعيدا، وعمليات الحلف الأطلسي تراوح مكانها بوضوح. من المهم التذكير بأن الهدف الأولّي للقرار المعني، كان قد صيغ بطريقة غامضة قليلا، من أجل الحصول على موافقة روسيا والصين. لقد تحدد في حماية المدنين من سكان بنغازي الذين توعّدهم القذافي بحمام دم، وأصبح المطلوب اليوم من قبل الحلف الأطلسي، هو الانتهاء من العقيد.
إن أقل ما يمكن أن يقال، هو أن هذا المفهوم في أفضل حالاته تفسير فضفاض جدا لقرار مجلس الأمن الدولي؛ وفي أسوأ الحالات هو خرق للقانون الدولي وللقرار الأممي. قيل في البداية إن موجة القصف الجوي سوف تؤدي سريعا إلى إخضاع القذافي ووصول المجلس الوطني الانتقالي للسلطة، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر لم يتم تحقيق أي شيء من ذلك، ولم تُظهر 4000 مهمة قصف ولا التدخل منذ فترة قصيرة للطائرات العمودية الحربية، فعاليتها.
من جهة أخرى لا يريد معارضو القذافي، الذين برهنوا على شجاعتهم وكفاءتهم العسكرية في مصراته أو في جبل نفوسة، خوض المعارك، كما يبدو، في المناطق التي لا تزال القوات المؤيدة للنظام تسيطر عليها. وتسري في الأجواء إشاعات مفادها أن طرابلس أو مناطق السهل الساحلي كثيفة السكان، لن تستقبلهم كمحررين إذ حافظت على ولائها للقذافي.
ولا تدفع للسرور رؤية أن نظاما مستبدا يستطيع الاعتماد على قاعدة اجتماعية حقيقية وقبلية في السياق الليبي؛ لكن هذا هو الواقع. والأحداث الجارية لا تروق لقادة الحلف الأطلسي والمسؤولين السياسيين في فرنسا وبريطانيا، الذين أخذوا رغباتهم وكأنها تمثّل الواقع، وهذا يمكن أن تكون له نتائج مأساوية. هؤلاء المسؤولون الذين فوجئوا بالسرعة التي سقط بها بن علي ومبارك، لم يعرفوا ولم يريدوا أن يروا قدرة العقيد القذافي على إمساك زمام المبادرة من جديد في مناطق عديدة من ليبيا.
من الواضح أنهم اختاروا تأييد طرف ضد طرف آخر في النزاع الداخلي، وينبغي إدراك أن نتائج ذلك ستكون سيئة، مهما كانت نتيجة النزاع. فإذا بقي القذافي في السلطة ستكون المجموعة الدولية عاجزة عن أن يكون لها دور في الدفع لتطوير النظام، وإذا انتصر المجلس الوطني الانتقالي فسيبدو لقسم من الليبيين أنه نتاج تدخل عسكري غربي، وبهذا المعنى يمكن أن يطرح التدخل العسكري للحلف الأطلسي، مشكلة أكثر من مساهمته في حلّها. ونعرف أنّه، رغم تأكيدات المحافظين الأميركيين الجدد، لا يمكن استيراد الديمقراطية من الخارج، وبالطبع لا تحملها الطائرات القاذفة.
ربما كان في التجارب المؤلمة في أفغانستان والعراق، ما يدعو للتأمّل والتأنّي أكثر، كما كان الحماس الذي أظهره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للتدخل في ليبيا، على خلفية بحثه عن زيادة شعبيته، وبعد أن أبدى عدم فهم دينامية الثورة التونسية والانتفاضة المصرية. التناقض الحالي هو في عدم امتلاك الحلف الأطلسي لخطة بديلة، ولا يبدو أن هناك حلا عسكريا في الأفق.
التدخل يعتمد اليوم بشكل رئيسي على فرنسا وبريطانيا، ورغم الضغوط يرفض بعض الدول زيادة مساهمتها في التحالف، مثل تركيا وإسبانيا وهولندا، بينما ترفض دول أخرى أعضاء في الحلف الأطلسي تقديم أيّة مساعدة (ألمانيا وبولندا). هذه الصعوبات تتعقّد، لا سيما وأنه مع مرور الوقت يتم الابتعاد أكثر عن الهدف الأولي. والحلف الأطلسي قبل أخيرا وقوع ضحايا مدنيين، فهل هناك مدنيون تنبغي حمايتهم ومدنيون آخرون يمكن قصفهم؟ حتى لو تمّ الاعتذار عن ذلك!
المطلوب والملحّ اليوم، هو الانتقال إلى الحل السياسي. واستمرار دفع المجلس الوطني الانتقالي إلى الاعتقاد بإمكانية الانتصار بفضل القصف، وعدم قبول الحلف الأطلسي لأي حل سلمي يعني الاستمرار في اتجاه خطير. ثمّ إن فرض شروط مسبقة كشرط للتفاوض، قد يغلق أبواب خروج ليبيا موحّدة مستقبلا.