انهالت على تونس ومصر الوعود بالمساعدات بالملايين والمليارات، من الولايات المتحدة والبنك والصندوق الدوليين والاتحاد الأوروبي، وقيل لنا إنها مكافأة ومنحة لبناء الديمقراطية والمجتمع الحر، وسمعنا الرئيس الأميركي يشيد بشباب مصر وتونس وبثورتهم، ويطلب مقابلة وفود من هؤلاء الشباب، وبالفعل استقبل شقيقة رمز الثورة المصرية الشهيد "خالد سعيد" الذي قتل على يد رجال الشرطة، واستقبل شباب المدونات من قرية الشاب التونسي "بوعزيزي" رمز الثورة التونسية، وسمعنا الكثير من كلمات الإشادة بالثورتين المصرية والتونسية من واشنطن ولندن، على الرغم من أن نظامي مبارك وابن علي كانا من أكبر حلفاء أميركا وبريطانيا، وسقوطهما بلا شك شكل صدمة كبيرة للبلدين ومعهما إسرائيل.

هذا المديح الزائد عن الحد والوعود بالمساعدات التي نسمعها تتردد كثيراً الآن، إنما تعكس في الحقيقة تخوفات وقلقاً كبيراً لدى هذه الجهات، وغموضاً وضبابية في الرؤية لديها تجاه مستقبل الأوضاع، ليس في مصر وتونس وحدهما، بل في المنطقة العربية كلها. لهذا نراهم يتقربون من القوى المؤثرة الآن على الساحة، وهم الشباب، هذه القوى التي، رغم عدم تشكل انتماءاتها وقياداتها السياسية بعد، إلا أنها تملك وحدها، ودون غيرها، إمكانية تغيير الواقع وتوجيه الأحداث وقيادة المجتمع، وسلاحها الوحيد في ذلك هو «الشارع»، هذا السلاح الذي ثبتت استحالة مقاومته. في الغرب، وخاصة واشنطن، منذ رحيل ابن علي ومبارك وهم غارقون ليل نهار، في دراسات وأبحاث وتحليلات مكثفة لظاهرة الثورات الشعبية العربية.

ولا يمكن الجزم بأنهم قد توصلوا لأسرار هذه الثورات أو للأساليب الأفضل للتعامل معها، والدليل على ذلك تخبطهم الواضح في ليبيا واليمن وسوريا، وعدم قدرتهم على فرض وجودهم أو حتى المشاركة، بأي شكل من الأشكال، في تسيير الأحداث في مصر وتونس، بل تخوفهم الشديد من التدخل في أي شيء يحدث في البلدين، خشية رد فعل الشعب الثائر ورفضه لأي تدخل أجنبي. ورغم تدخل جهات عربية كثيرة رسمية وشعبية، تطلب معاملة الرئيس السابق حسني مبارك بشكل إنساني وبشيء من الرحمة والشفقة به ككهل مريض، لم نسمع أي جهة غربية تتدخل في هذا الشأن، ولم نسمع منظمات حقوق الإنسان الغربية التي تتعاطف حتى مع القطط والكلاب الضالة تطلب العطف على مبارك، إنها عادتهم المعروفة في إهمال الأوراق المحروقة.

الآن يحاول الغرب الدخول لمصر من أبواب خفية، تحت شعار المساعدات والقروض، فهم يستغلون فرصة الأزمة المالية التي تواجهها مصر الآن بعد الثورة، ويعرضون مساعداتهم، لكن بالقطع هي ليست مساعدات ولا مكافآت تشجيعية للثورة المصرية، وليست أيضاً من أجل بناء الديمقراطية في مصر، كما جاء في الإعلانات التي نشرتها "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" في الصحف المصرية، تعرض فيها منحاً بقيمة 100 مليون دولار لتمويل مشاريع في مصر، وبرنامجاً آخر بقيمة 65 مليون دولار يهدف إلى تطوير الديمقراطية في مصر، شاملة الثقافة الانتخابية والأنشطة المدنية وحقوق الإنسان، دون الرجوع للمسؤولين المصريين. وقد قدمت الحكومة المصرية احتجاجاً لدى السفارة الأميركية، تحذر فيه من انتهاك الوكالة الأميركية للسيادة المصرية ومحاولتها إملاء شروط على مصر مقابل ما تقدمه.

كما صرحت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي المصرية فايزة أبو النجا، بأن مصر رفضت القروض المعروضة من البنك والصندوق الدوليين، بسبب الشروط المجحفة والمتعارضة مع المصالح الوطنية. لدى القائمين على الحكم في مصر شكوك ومخاوف كثيرة من المساعدات والقروض الأجنبية، وهي مخاوف مشروعة ومطلوبة، خاصة بعد ثلاثة عقود من انتهاك وشل الإرادة المصرية بسبب هذه المساعدات الأجنبية، ولا يجب أن ننخدع بالمديح الزائد لثوراتنا، ولا بوعود وشعارات الحرية والديمقراطية الأميركية، التي دمرت بلدان وحياة شعوب أخرى قريبة منا.