الفوز الأخير الذي حققه حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات البرلمانية، جسد بشكل واضح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في صورة البطل الشعبي، خاصة وأن الحملة الدعائية والإعلامية للحزب في الانتخابات، ركزت بشكل كبير على شخص أردوغان وتصريحاته وشعاراته المشبعة بالروح الوطنية التركية، ونشاطه ومواقفه السياسية على الساحة الإقليمية الشرق أوسطية، هذا إلى جانب إنجازات حزب العدالة والتنمية خلال الدورتين الماضيتين، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
البعض يفسر تنشيط أنقرة لدورها الإقليمي، على أنه وسيلة لجذب انتباه الأوروبيين لأهمية تركيا كقوة إقليمية في منطقة الشرق الأوسط، لعل هذا يشجع على قبولها عضوا في الأسرة الأوروبية، بينما البعض الآخر يرى في تنشيط هذا الدور نزعة لاستعادة حلم الإمبراطورية التركية. والحقيقة أن ملامح وسمات شخصية أردوغان ترجح لدينا الرأي الثاني، وإن كانت الطموحات المستقبلية القريبة ليست إلى مستوى الإمبراطورية، إلا أنها تعكس بوضوح السعي لتكوين قوة إقليمية مؤثرة، قد تكون نواة في المستقبل لقوة دولية، أما الطموح للانضمام إلى لاتحاد الأوروبي فلا نعتقد أنه يلعب الدور الأساسي، بل ربما تراجع هذا الطموح بدرجة كبيرة عما كان عليه قبل أعوام قليلة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية وتراجع مكانة أوروبا اقتصاديا على الساحة الدولية، الأمر الذي انعكس أيضا على موازين القوى السياسية والاستراتيجية العالمية، بحيث بات الحديث يتردد بشكل واضح حول انتقال موازين القوى من الغرب إلى الشرق، وظهور قوى آسيوية كبيرة تتطلع للصدارة الدولية، وإن كانت هذه الطموحات جديدة على بعض القوى الآسيوية مثل الهند والصين، وحتى إيران، إلا أنها ليست جديدة ولا غريبة على تركيا التي كانت قبل أقل من قرن مضى، إمبراطورية عالمية ممتدة من جبال القوقاز حتى شواطئ الأطلسي.
الصراع الذي يتحدث عنه الكثيرون بين ما يسمونه «الأردوغانية والأتاتوركية» موجود وقائم، لكن من الخطأ تصوره على أنه صراع عقائدي بين الدين والعلمانية، بل هو صراع بين سياستين، إحداهما موجهة من الخارج والأخرى من الداخل. ورغم ما تحاط به الأتاتوركية من هالة ودعاية كبيرة، إلا أنها لا تعكس في الواقع شخصية الشعب التركي الذي لم يكن بينه وبين الدين أية مشاكل، ولم يكن تواقا للعلمانية بقدر ما كان تواقا للتنمية الاقتصادية وبناء مجتمع متحضر، خاصة بعد التشويه الكبير الذي أحدثته الدعاية الغربية للحقبة العثمانية وتصويرها على أنها رمز للتخلف، لهذا جاءت الأتاتوركية موجهة من الخارج بهدف إغلاق تركيا على نفسها، والحيلولة دون بروزها كقوة إقليمية أو دولية من جديد. ولهذا طرحت الأتاتوركية النهج العلماني، حتى تعزل تركيا عن محيطها الإقليمي الإسلامي وتضعها تحت عباءة الغرب العلماني، بينما جاءت الأردوغانية من الداخل مجسدة حلم الأمة التركية لاستعادة مكانتها الإقليمية والدولية. ورغم وصف حزب العدالة والتنمية بالإسلامي، إلا أن الأردوغانية لا تبدو إسلامية إلا بقدر خصومتها مع الأتاتوركية، أما النهج والصراع العقائدي فلا وجود له، لا عند أردوغان ولا في برنامج حزب العدالة والتنمية.
ما نقوله تعكسه بوضوح مواقف أردوغان وسياسته الخارجية وزجه بتركيا في مختلف الصراعات والمشاكل الدائرة على الساحة الإقليمية، وأيضا تصريحاته التي يقول فيها «إن حزب العدالة والتنمية أعاد نفوذ تركيا في العالم، ومن الطبيعي أن تستخدم تركيا قوتها الجديدة في حل الأزمات من منطقة القوقاز إلى الشرق الأوسط»، وحرصه على عدم إظهار العداء لإسرائيل، رغم انتقاداته الحادة لسياستها، حيث يقول «مخطئ من يتصور أن تركيا تقف ضد إسرائيل، لكننا فقط ندافع عن الضعفاء في غزة».
رغم ترحيبنا وإعجابنا بالطيب أردوغان ومواقفه من القضايا العربية، إلا أننا نخشى عليه من التحول إلى زعيم «شرق أوسطي» جديد، تخدعه الشعبية الجارفة ويطغى عنده حلم السلطة الأبدية على الحلم التركي.