هل حقاً تعذر على الحلف الأطلسي الغربي إرسال معمر القذافي إلى غياهب التاريخ منذ بداية النزاع في ليبيا؟

 

لنا فقط أن نتخيل أن الولايات المتحدة الأميركية تنفق يوميا على التسلح والشؤون العسكرية مليار دولار ويزيد، فأي مقارنة في القوة العسكرية بين كتائب القذافي وجحافل الأطلسي!

 

بالتأكيد كان في وسع الحملة العسكرية الدولية إطاحة القذافي في ساعات، لكنها تمهلت في إنجاز المهمة، لأن عينها على البديل في بلد ليس كأي دولة على وجه البسيطة: لا نظام ولا ما يحزنون. على هذا كان يجب ربط خطوات اجتثاث زمرة العقيد، بخطوات بناء نظام ليبي جديد، وفق مقاييس تجنبه المسار والمصير الأصولي.

 

إذن، التدخل الخارجي، نافذ المفعول ومحسوب بدقة. هذا ما يجب على كل الأطراف في سوريا التنبه له جيدا، إن كانت قلوب هذه الأطراف حقا تنبض بالوطن، وليست مصابة بتجلطات المغامرة.

 

لكن المؤشرات ـ للأسف ـ لا تبشر بخير. النظام في سوريا، فضلا عن إحجامه عن كسر الموجة الجماهيرية الهادرة في المنطقة، بإجراءات إصلاحية استباقية، أمعن في الحل الأمني، ظنا بأن الحسم العسكري في وقته المناسب سيكسر هذه الموجة، بعدما أمن الحدود مع كل من العراق والأردن.

 

. ما حدث لا يشير بأي مقياس إلى نجاح، فثغرة الحدود مع تركيا كانت الأخطر، والرهان على صداقة رجب طيب أردوغان كان وهما أسقط من حساباته عضوية تركيا "الأصيلة" في الحلف الأطلسي، وها هو سيناريو التدخل الخارجي ينصب أنقرة رأس حربة وبداية فقط.

 

في المقابل، توغل "تنسيقيات الثورة السورية"، القوة المفترضة وراء الاحتجاجات المتسعة، في تصوراتها الطوباوية المراهنة على تعب الآلة العسكرية للنظام، مقرونة ببدء بعض الانشقاقات في صفوف الجيش، هذه التي تعد نتيجة طبيعية في العلوم العسكرية، التي تعتبر طول احتكاك العسكر بالمدنيين "يفسدهم"، وينخر في انضباطيتهم الحديدية.

 

في موازاة هذه الآمال، يراهن البعض في المعارضة السورية على أن شدة القمع ستستدرج التدخل الخارجي، نجدة وعونا لها يرجح كفتها في النزاع مع النظام.

 

الآن بدأ الخطر الخارجي يطل جليا من الباب الموارَب، فبعدما تكررت التصريحات الأميركية والأوروبية والتركية المنادية بأوضح صوت على النظام السوري، بأن يبدأ فورا خطوات عملية وجريئة لملاقاة مطالب المحتجين، ها هي نذر الوصاية تلوح ببدء توجيه التصريحات والمواقف في اتجاه "نزع الشرعية" عن النظام.

 

بل إن أخطر الأخطار هو التلويح باللجوء إلى تحالف دولي خارج مجلس الأمن، تذكيرا وتأسيسا على السيناريو العراقي، تفاديا لـ"الفيتو" الروسي ـ الصيني.

 

وبعد، هل للمعارضة السورية أن تواجه في هذا الموقف الحرج للغاية، السؤال الملح الخاص بمصير الوطن. الكل يعلم أن "العين بالعين" تصيب الجميع بالعمى، ونداء الدم يعيدنا إلى حقبة الغاب، .

 

وأي مغامرة باللجوء إلى تصعيد العنف نحو الثأر المسلح، في أقل التصورات ستقود إلى السيناريو الليبي، كما أن جمود الشعار المصر على اجتثاث النظام، يتطلب قوة تفوقه لا تمتلكها المعارضة، إلا إذا لجأت إلى القوة الخارجية، وفي كل الحالات لا خاسر أكثر من الوطن.

 

أي مغامرة من قبل النظام أو المعارضة، ضحيتها الجسيمة هي سوريا، وعليه لا مناص للنظام من الاقتناع بأن حقبة جديدة تبدأ الآن على الأرض السورية، كما هو الحال على جبهة المعارضة، التي لا بديل لديها سوى التمسك بسلمية الاحتجاج المقرون بالتفاوض المعنون بـ"خذ وطالب بالمزيد".