هذه المساحة من الصحيفة انطوت على قدر من التشاؤم في أعقاب انتكاسة أبيي. أقلام عديدة حذرت من تداعيات المغامرة. الخيار العسكري يزيد قضية السلام السوداني تعقيداً. حسن الجوار بين الشطرين يتطلب تعجيل بت القضايا العالقة. أبيي محور الجوار الحسن بين الشطرين وفتيل الحرب القابل للاشتعال.

الاعتداء على وحدة عسكرية شمالية بصحبة مفرزة دولية في كمين جنوبي يمثل استفزازاً أكثر مما هو انتهاك لاتفاق نيفاشا. اللجوء إلى الخيار العسكري من قبل الخرطوم يشكل توغلاً في المستنقع أكثر مما هو خروج منه.

اقتحام الدبابات الشمالية أبيي دفع مسألة الكمين الجنوبي إلى مرتبة متأخرة في العواصم صانعة القرار الدولي. الخرطوم لم تجن من العملية العسكرية مكاسب مادية. على نقيض ذلك حققت خسائر دبلوماسية.

الكمين الجنوبي أتاح فرصة مواتية أمام الخرطوم للاستثمار الدبلوماسي في عواصم القرار المساندة للحركة الشعبية. التصعيد العسكري لم يعد فقط تدوير الأزمة بين الشمال والجنوب. أكثر من ذلك أعاد إنتاج التوتر بين الخرطوم وتلك العواصم. إعادة إنتاج المواقف غير الإيجابية ينم عن أنيميا في الفكر السياسي وإعشاء في الرؤى. البحث عن البدائل الملائمة يتطلب خيالاً خلاقاً.

بغض النظر عن ملابسات الاعتداء العسكري؛ فالثابت أن مصلحة الشطرين تقتضي معالجة النتوءات الطارئة بالحكمة. القضايا العالقة بين الطرفين لا تتطلب مراكمة جديد إن لم يكن تفكيكها.

بما أن الخرطوم عايشت قطيعة مع الخارج فإن استثارة القوى الخارجية في المنعطف الحالي على وجه الدقة ليست في مصلحتها. ضريبة تليين الطوق السابق بلغت كلفة باهظة. الجنوب بما فيه أبيي يشكل بنداً في تلك الفاتورة. ثمن العزلة يضيف أعباء على عاتق شعب لم ينعم بالرفاهية والسلام سنين عددا. العبء يتصاعد أثقالاً في عالم يزداد تقارباً وانفتاحاً.

هناك من يرى وراء العملية العسكرية في أبيي صراعاً داخل الحزب الحاكم في الخرطوم. بين قيادات المؤتمر من يحمل قياديين مسؤولية التفريط في الجنوب. من هؤلاء من يركز على ضياع أبيي تحديداً. بغض النظر عن مدى صدقية الفرضية فالثابت أن النظام السوداني مهجوس بمرحلة ما بعد الانقسام. بما أن العديد من القضايا خاصة قسمة النفط لا تزال على مائدة التفاوض فلا بأس من عملية عسكرية تحسن وضع الوفد الشمالي المفاوض.

القوى الخارجية ليست راغبة بالطبع في التدخل المباشر في الشأن السوداني أكثر مما هي منغمسة. مع ذلك فالمغامرة العسكرية تفتح الأفق السوداني أمام الاستثمار الخارجي بوسائل متباينة.

النظام السوداني محاصر بضغوط وتهديدات من مصادر وجنبات عدة. الخرطوم سعت حثيثاً لتفكيك قدر من تلك الضغوط وقدمت في سبيل ذلك تنازلات.

أقسى أشكال الاستثمار الأجنبي في التصعيد العسكري يتجسد في فرض عقوبات إضافية. في هذه الحالة تكون جوبا حققت انتصاراً مزدوجاً على الخرطوم. بقاء القوات الشمالية في أبيي لا يعدو غير مرحلة مؤقتة مهما طال أمدها.

مع أن العلاقة بين المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم والحركة الشعبية الجنوبية لم تتسم بالانسجام وهما يتقاسمان إدارة الوطن بأسره فإنها لن تكون كذلك وقد اقتسما الوطن. ما ينبغي إدراكه من قبل الطرفين أنه لا بديل لأي منهما غير التصالح مع الأمر الواقع. إذا لم يكن في مقدور الشريكين اللدودين تجاوز العقبات العالقة، فإن إضافة عقبات جديدة تستنزف قواهما وتنتهي بهما إلى الفشل الذريع لا محالة.