عندما خاضت مصر تجربة التحديث المبكرة، وجدت نفسها لأسباب عدة، ليس هنا مجال الخوض فيها، مضطرة بحكم طبيعة التراكم التاريخي للرأسمال، وبحكم التكوين الديموغرافي والنهب المستمر لثرواتها الذي تعرضت له على امتداد قرون عدة، للجوء إلى تمويل ما يعرف بالانطلاقة الأولى في معراج التنمية، بشكل جزئي، بالاقتراض من أسواق المال الدولية، وهي قصة مريرة يعرفها القاصي والداني، انتهت بالاحتلال الانجليزي لأرض مصر.
ليس من قبيل المصادفة أنه عندما جاءت لجنة من الخبراء اليابانيين تستلهم النصيحة من مصر عن تمويل مشاريع النهضة في عصر الإمبراطور ما يجيء كان الرد المصري واضحاً: افعلوا أي شيء إلا الاستعانة برأس المال الأجنبي.
ربما لهذا، على وجه الدقة، كانت لمصر حساسيتها، على امتداد تاريخها الحديث إزاء الاستثمار الأجنبي، لكن ذلك لم يمنع الحكومة المصرية الحالية، ممثلة في جهة الاختصاص، وهي الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، من تقديم حشد من التسهيلات، والخدمات للمستثمرين، رغبة في استقطابهم، بعد أن وصل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر إلى مرحلة التجمد الفعلي.
ما تم الإعلان عنه من جانب الحكومة المصرية في هذا الصدد يستحق الوقوف عنده حقاً، نظراً لأنه يعكس فارقاً كيفياً عما كان سائداً في عهد ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، فوق التسهيلات الجديدة يمكن لأي شركة استثمار أن تفتتح متجراً في أي مكان في مصر، في أقل من ثلاثة أيام ويمكن لشركات الإعلام أن تطلق مشروعاها في مصر من دون الحصول على ترخيص مسبق من أي جهة أمنية.
ومادمنا نتحدث عن الشفافية، ونطالب بها، ونشدد عليها، فلابد لنا من التأكيد على أن هذه التسهيلات وجدت لتبقى، بل ولتزيد، فهي تضرب جذورها في أرض الضرورات الموضوعية.
ليس سراً أن الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر قد توقف، ووصل إلى حد التجمد تقريباً، حيث انخفض من 1.7 مليار دولار في العام الماضي إلى 1.2 مليار دولار في الربع الأول من العام الحالي.
وليس سراً أيضاً أن وزارة المالية المصرية قد تنبأت بعجز في الميزانية يصل إلى 9.4% من إجمالي الناتج المحلي، وهي تتوقع تراخياً في معد النمو بحيث يتدنى إلى 2%، وهو ما يقل بصورة ملموسة عن توقع النمو قبل ثورة 25 يناير والذي كان 5.8%. الجميع يعلم أيضاً أن إنفاق مصر على الدعم سيزيد بمعدل 40% هذا العام مقارنة بالعام الماضي، الأمر الذي لابد له من أن يلقي بالمزيد من الثقل ويفرض المزيد من الضغوط على الميزانية.
هذا كله واضح وجلي ومفهوم، فأنت بإزاء بلد يعيش ثورة هائلة بالمعنى التاريخي، ويموج بالحراك، وتدوي في جنباته عالياً هتافات مطالب فئوية طالما قمعت، وتركت أسبابها بلا علاج حتى وصلت إلى حد الانفجار أو ما يقاربه.
لكن المستثمرين ورجال الأعمال الحقيقيين يعرفون، قبل غيرهم، أن هذا المناخ الحافل بالمخاطر هو أنسب وقت، على الإطلاق، لبداية استثمارات جديدة طويلة الأمد، تقوم على شراكة حقيقية، وتعتمد انتاجاً اصيلاً للسلع والخدمات وتحقيقاً للفوائد المشتركة للمستثمرين وللبلد المستقبل للاستثمار.
من المؤكد أنه لهذا، على وجه الدقة، فإن من يهتمون بمصر كمقصد استثماري هم رجال أعمال حقيقيون، يدركون مصالحهم وأيضاً مصالح الآخرين، والشراكة مع مصر في العمل والاستثمار هي جهد استراتيجي، يبدأ من الآن ويمتد إلى مستقبل أبعد بكثير مما يتصوره من يكتفون بأن يكونوا رفاق الأجواء الصافية فحسب.
إذاً، ادخلوا مصر بسلام آمنين، فهي لا تنسى إخوة الأيام الصعبة، وهي تقدرهم حق التقدير، لأنها بلد يجيد الوفاء، فهو جزء من صميم كيانها.