يلاحظ المراقب السياسي أن روسيا تواجه الحقائق الماثلة في المنطقة العربية، بدرجات متفاوتة من الحيرة المقرونة بقراءات ثبوتية للمشهد. روسيا التي تعافت لتوها ما زالت تقرأ المشهد العربي عطفاً على ثقافة الحرب الباردة، واعتبار أن كل متغير في المنطقة سيكون مُجيراً حتماً لصالح الولايات المتحدة.
ولهذا بدا الموقف الروسي غرائبياً أثناء مناقشة مستجدات الوضع الليبي في أروقة الأمم المتحدة، حيث أحجم المندوب الروسي عن التصويت لصالح قرار مجلس الأمن الذي اتكأ أساساً على قرار مواز في الجامعة العربية، وفي تصرف استثنائي غير معهود من جامعة العرب الفولكلورية.
فالمعروف حصراً أن الجامعة لم تكن في محصلة وجودها المعنوي والسياسي، خارج نطاق التوافقات العربية غير المتوافقة أصلاً، لأسباب لسنا بصددها في هذه العجالة.
في مجلس الأمن امتنع المندوب الروسي عن التصويت، وليته ظل في حكمة «المنزلة بين المنزلتين»، كما كان عهد الكلاميين المسلمين القدامى، لكن روسيا وجدت نفسها تباعاً في موقف المدافع عن نظام القذافي الفاقد لأسباب الدفاع عنه، ثم اكتفت الدبلوماسية الروسية بسكوتها الذي مكّن أميركا ودول الاتحاد الأوروبي، من تمرير القرار الدولي تحت بند حماية الشعب الليبي.
وخلال أشهر المعارك الدموية، بدت الدبلوماسية الروسية حائرة في موقفها، غير قادرة على تبرير قراءتها للمشهد. وبالتوالي، واستمراراً لذات الموقف، جاء الموقف الروسي تجاه ما يجري في أكثر من منطقة عربية، مخيباً للآمال، وغير قابل للتفسير.
يتساءل المراقب الرائي لأمر هذا البلد العتيد بتقاليده البحثية العميقة، وشفافية دوائره الدراسية العليمة بالأوضاع العربية والعالمية.
.. يتساءل: ما هي المقاربة الروسية الراهنة التي تجعل الكريملن مُتباعداً عن حقائق مستقبلية قادمة، ولا مرد لها؟ وكيف يمكن لثقافة الحرب الباردة بصيغتها التقليدية السابقة، أن تكون منصة الانطلاق الروسي لمعرفة الراهن المحتدم الذي لن يكون بحال من الأحوال مجرد إعادة إنتاج بسيط للثنائية القطبية؟ ولماذا تستغني روسيا عن الفعل الإيجابي في المشهد، بدلاً من الوقوف على الأطلال وانتظار النتائج؟
الولايات المتحدة التي تتعمّد الترافق الحذر مع التطورات الجارية في المنطقة العربية، تدرك الشعرة التي تفصل بين النظم المحتملة ولاءً وتباعداً عنها، فهي لا تستطيع بحال من الأحوال ضمان الولاءات العربية القادمة، وفق مقاييس أنظمة مصر وتونس واليمن، على سبيل المثال.
. لكنها في المقابل لا تستطع التخلّي عن الحقائق الموضوعية الراهنة، ولهذا وقفت عملياً مع التغيير في مصر وتونس وليبيا واليمن، وفتحت دبلوماسيات حوارها مع طيوف الألوان السياسية، بما في ذلك الإسلام السياسي. في المقابل، تتنكّب روسيا مشقة الدفاع عن أنظمة توتاليتارية عائلية، حتى وإن تغلّفت بأردية جمهورية،.
فيما تخسر الشارع العربي التوّاق للتغيير، وكأنها تفترض مُسبقاً أن ما سيأتي لن يكون إلا بألوان أميركية فاقعة، وفي هذا الاستنتاج كثير من التسرع حد الاستنساب. لست هنا بصدد الدفاع عن القراءة الأميركية البراغماتية للحالة العربية، .
ولا أرى مبرراً لتسويغ المنطق المكيافيللي المعهود من السياسة الأميركية، لكنني لا أستطيع استيعاب المنطق الروسي الذي يقرأ المشهد الماثل في المنطقة العربية، على قاعدة الافتراض المُسبق بأن الجديد سيأتي لصالح الولايات المتحدة. هذا المنطق يتنافي أساساً مع الصيغ المحتملة لأنظمة الحكم العربية، والتي ستكون في الغالب الأعم أكثر شفافية وميلاً لتفعيل المؤسسات البرلمانية التشاورية.
ما يجعل أمر التحالفات السياسية مقروناً بالمصالح العليا، ويسمح بتوسيع ملاعب التفاعل الإيجابي مع التعددية، بشكليها الداخلي والخارجي، وعلى قاعدة المصلحة المتبادلة، والعلاقات الجيوسياسية المقرونة بالتقاليد الدبلوماسية والموروث التاريخي،.
وهو تقليد حميد لن يستثني روسيا، بل العكس، ذلك أن روسيا الكبيرة تمثل محطة تقاطع شامل مع العالم العربي، وتحتفظ بتقاليد تاريخية مميزة في علاقتها بأماني المواطن العربي في الانعتاق والتطور والازدهار.
د