الدهشة تجاوزت قدرات الشباب في صناعة الحراك الجماهيري وصمود الجموع الشعبية إلى إصرار الأنظمة على التوغل في دماء الشعوب. من الواضح أن القمع الممنهج مهما بلغت شراسته لن يفضي إلى مخارج آمنة سواء للجماهير أو الأنظمة. المشهد العربي أمسى أكثر إثارة للدهشة من منظور المفارقة الفاقعة بين عقلانية الشارع ودوغماتية النخب الحاكمة. هو البون الشاسع كذلك بين انضباط الجموع الشعبية وانفلات ماكينات عنف السلطات.

الجلي لكل ذي بصر وبصيرة عجز العنف الجموح عن إخماد بركان الغضب الشعبي.هذا الإصرار العقيم على المضي في طريق أحادي مسدود لن يزيد البركان إلا إلى مزيد من الثوران. من غير المنطقي تحويل الميادين العامة في المدن والأزقة في الحارات الشعبية إلى ساحات حرب بين أبناء الوطن الواحد.

ربما يجوز هذا يوماً لكنه يغادر دائرة العقل حال استمراره أسابيع بل شهوراً.القابضون على مفاتيح القرار في العواصم هم الذين فتحوا نوافذ العنف ومستودعات الآليات العسكرية وفوهات النار وهم أنفسهم يحذرون من مخاطر الإرهاب. بعد شهور عدة وفي أكثر من مدن وأرياف عربية مترامية يبدو واضحاً أن قطارات الحراك الجماهيري لن تتوقف قبل بلوغ النهايات المشتهاة.رغم انتشار القناصة والدبابات الثقيلة يزداد عدد المنضمين للقطارات وتتسع شبكة خطوطها الشعبية وتنتشر محطاتها. في كل مساء تفاجئنا القنوات الفضائية بصور تفضح على نحو مسرف في البشاعة وحشية السلطات وبؤس الأنظمة.

مع كل نشرة أخبار يتساءل المشاهد عن غياب التسامح وهو أحد أوتار المباهاة في معزوفة إرث التقاليد والدين والقبيلة. وتطال الأسئلة الحكمة اليمانية وعقل البعث وحضور الحزب الحاكم ومنهج الجبهة الوطنية التقدمية.كيف ينام المسؤول وهو يغمض عينيه على مشهد لحم شعبه المقدد والهراوات تنهال على السواعد والسيقان الطرية لفتية في مقتبل العمر وأحياء تتحول إلى ثكنات عسكرية. في غمرة علامات الاستفهام المتواترة يحار المشاهد إزاء جيش يشن حرباً على بني وطنه. ألا يحلم هؤلاء بنهايات مشرقة في سفر التاريخ.

مع تصلب شرايين الأنظمة والتباطؤ على سكة العنف يحار المراقب أزاء النهايات المبتغاة خاصة مع تصاعد كلفة فاتورة المشوار وانسرابه في المجهول.

كل رجال الأنظمة يعترفون بمشروعية المطالب المناداة. كلهم يشعرون بضرورة الإصلاحات ونصب طاولات الحوار وفتح نوافذ التغيير وأبواب الحرية.

جميعهم يرفضون الاستجابة من منطلق الحرص على المواقع والمكتسبات وخشية مطاردة العدالة.هؤلاء يشكلون عقبات كأداء أمام قطارات الحراك الجماهيري. هم ليسوا معنيين بالأرواح المزهقة والدماء المسفوكة والمصالح المعطلة والمليارات المهدرة وصورة الوطن المشوهة.

مثير هو تشابه السيناريوهات الحكومية المتداولة. هو تشابه ينبع من طبيعة الأنظمة الاستبدادية والبطانة الانتهازية غير المعنية بمصالح الشعب أو النظام. ذلك نسيج استغرق غزله سنين عدداً بل عقوداً في كل عاصمة. من هذا التجانس تنتج الأجهزة الرسمية والإعلامية روايات مكرورة محورها الإرهاب والتطرف. بما أن هذه النخبة ليست معنية بالقراءة فهي لا تدرك أننا في زمن الرواية من عصر الثقافة العربية. كتابة هذا الجنس الأدبي لم يعد حكراً على المثقفين ولهذا فإن قطاعاً عريضاً من الشعب يعرف مدى قوة الحبكة ورصانة الخيال في الرواية الرسمية المستهلكة. هذا القطاع خرج ليكتب رواية المستقبل العربي. من بين برك الدم المسفوح على الأسفلت والجثث المتناثرة في أنحاء المدن والقرى والبساتين والمزارع تخط الشعوب فصول الحرية. ما لم تستبدل الأنظمة لن يسدل الستار على هذا المشهد الأسود والمحزن على المسرح العربي.

في لعبة عض الأصابع الممارسة بين الأنظمة والشعوب لن تكون الغلبة للشرائح الحاكمة. إذا كانت نياب الأنظمة أكثر شراسة فإن الشعوب أوسع صبراً.