الموقف الروسي من الثورات الشعبية في الشرق الأوسط، يفهمه البعض خطأ بأنه دعم وتمسك بالأنظمة الحاكمة ضد الشعوب الثائرة، والبعض يفهمه أيضاً على أنه موقف مخالف لموقف واشنطن والغرب، لمجرد الخلاف أو للمزايدة وكسب المواقف، وكأن الأمر تنافس بين جهتين اعتادتا على الصراع على الساحة الدولية، ومقامرة ورهانات على مصائر الشعوب والدول.
أعتقد بأن هذه التصورات والرؤى ليست صحيحة، ولو رجعنا قليلا لما قبل اشتعال الثورات، سنلاحظ أن كافة الأنظمة الحاكمة في الدول التي شهدت حراكاً شعبياً كبيراً، مثل تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، جميعها أنظمتها كانت أقرب لواشنطن منها لروسيا، بما في ذلك ليبيا وسوريا اللتان لهما علاقات طيبة مع موسكو، ولكنها مجرد علاقات بدون فعالية، .
بينما كلا النظامين السوري والليبي كانا يسعيان خلال الأعوام القليلة الماضية، لكسب ود الولايات المتحدة والأوروبيين. ورغم ارتباط روسيا بالبلدين وإمدادهما بالسلاح وإعفائها لسوريا من الديون، إلا أن العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما لا تكاد تذكر أو تقارن بدول أخرى.
. وحتى على المستوى السياسي لا يوجد توافق واضح، وكانت سوريا قد عبرت عن عدم حماسها لعقد مؤتمر حول الشرق الأوسط في موسكو، وقال الرئيس بشار الأسد لصحيفة قطرية حول هذه المسألة: «إن أوراق الصراع في الشرق الأوسط كلها في يد واشنطن»،.
وغضبت موسكو من هذا التصريح. كما أن القذافي الذي زار موسكو ونصب خيمته في الكريملن، ذهب بعدها يشتري السلاح من أوكرانيا، وشركات النفط الروسية لم تنل في ليبيا إلا فتات الشركات الغربية.
لو كانت روسيا تبحث فقط عن مصالحها الخاصة، لفعلت ما فعله الجميع بعد النجاح المذهل والسريع للثورتين في تونس ومصر، ولذهبت مثل الآخرين تدعم مطالب الجماهير الثائرة وتهاجم وتندد بالأنظمة الحاكمة، لكن الأمر لدى موسكو يختلف كثيرا عنه لدى الآخرين في الغرب. لا غضاضة لدى روسيا في سقوط الأنظمة المستبدة والفاسدة، ولكن ليس بيد الغير، بل بيد الشعوب نفسها. ولدى موسكو تخوفات كثيرة من خلل وشيك سيصيب النظام الدولي، من جراء تدخل دول وجهات أجنبية لدعم وتحريض الشعوب ضد الأنظمة الحاكمة.
. وتتخذ موسكو مثالا من الثورتين في تونس ومصر، حيث نجح شعبا البلدين في تحقيق إنجاز ثوري تاريخي أذهل العالم، ودون أية تدخلات أجنبية من بعيد أو قريب. أما ما حدث ويحدث في ليبيا فيؤكد مصداقية الموقف الروسي، خاصة مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين الأبرياء نتيجة التدخل الأجنبي، .
هذا التدخل الذي أصاب حتى المعارضة الليبية، ومازال، بالخوف والقلق، ليس فقط من ضحاياه، بل أيضا من أهدافه وتداعياته ونتائجه المستقبلية، الأمر الذي اضطر المعارضة الليبية لقبول مشروع الحوار الذي طرحته روسيا، وأرسلت وفدا لها إلى موسكو الاثنين الماضي للحوار.
روسيا دولة لم تعتد مثل غيرها فرض مصالحها بالقوة على الدول الأخرى، ولم تعد تهمها التوجهات الأيديولوجية أو السياسية لأي نظام حاكم، شرقا أو غربا، وباتت تبني علاقاتها مع كافة الدول على مبادئ المنفعة المتبادلة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ونذكر عندما دحرت القوات الروسية قوات جورجيا في أغسطس عام 2008 دفاعا عن شعب أوسيتيا الجنوبية الصغير، ودخلت القوات الروسية الأراضي الجورجية حتى أصبحت على مشارف العاصمة تبليسي، وكان من السهل عليها إسقاط نظام الرئيس ساكاشفيلي الذي يعاديها بشدة، لكنها لم تفعل وسحبت قواتها من هناك بعد أقل من أسبوع واحد، بعد أن أدت مهمتها.
أخشى ما تخشاه روسيا الآن هو استغلال واشنطن والغرب لثورات الشعوب، وتوجيهها لما يحقق مصالحها الخاصة على حساب مصالح الدول والشعوب، وخاصة في منطقة حيوية للغاية مثل الشرق الأوسط، تتصارع عليها القوى العالمية مثل تصارع الوحوش الكاسرة على الفرائس.
د.