ربما يأتي اليوم الذي تشعر فيه واشنطن والغرب، وكل من يهمه أمن إسرائيل ومستقبلها، بالندم على تأييدهم ودعمهم للديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط، هذا الدعم الذي ساعدت في تفعيله بشكل واضح تقنيات الاتصالات الحديثة، .

وخاصة شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي تديرها شركات أميركية وغربية، هذا الدعم الذي ساعد بشكل مباشر على اشتعال الثورات الشعبية في بلدان الشرق الأوسط العربية. ففي الوقت الذي كانت تتقرب فيه واشنطن من الأنظمة العربية المستبدة وتدعمها وتتدخل في سياساتها وتوجهها لتحقيق مصالحها، .

وتحصل منها في نفس الوقت على ضمانات كاملة، ليس فقط بعدم المساس بأمن إسرائيل، بل أيضا بالتعاون مع الكيان الصهيوني ضد كافة أشكال المقاومة المشروعة، كانت واشنطن تضغط على هذه الأنظمة باستخدام أوراقها المعروفة مثل «حقوق الإنسان واحترام الحريات والديمقراطية»، وغيرها من الشعارات التي ترفعها واشنطن لتزين بها سياستها الخارجية المشبوهة والمتهمة من كافة شعوب العالم. وعلى ما يبدو فإن واشنطن التي اعتادت إهمال الشعوب والاهتمام بالأنظمة، .

والتي انخدعت من هرولة الأنظمة العربية المستبدة نحوها للتقرب منها، قد تولدت لديها قناعة بأنه لم يعد هناك خوف على إسرائيل من العرب، خاصة بعد تغييب مصر التي تشكل أكبر قوة عربية في مواجهة إسرائيل، ونجاح النظام الحاكم في مصر على مدى ثلاثة عقود، في تغييب قضية الصراع العربي/ الإسرائيلي على كافة المستويات الشعبية والرسمية والإعلامية، بحيث بدت إسرائيل، ليست فقط دولة صديقة، بل إن أعداءها أصبحوا بالتبعية أعداء لمصر وشعبها.

وعندما اندلعت الثورات الشعبية في تونس ومصر وغيرهما، لوحظ غياب الحديث عن إسرائيل، مما أعطى اطمئنانا أكبر لواشنطن ودفعها لدعم هذه الثورات. هذا الاطمئنان لم تشعر به إسرائيل نفسها، لأنها تعلم أكثر من واشنطن أن الهدوء العربي تجاهها ليس إلا مجرد وهم مغلف بأنظمة مترهلة وواهية، .

ويخفي تحته بركانا من الغضب الشعبي العربي لن يلبث أن ينفجر يوما ما. وربما لهذا السبب لم ترض إسرائيل عن دعم واشنطن لهذه الثورات، وعارضت ضغوطها على نظام ابن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، وتتوجس خيفة من مصير باقي الأنظمة في سوريا واليمن، وحتى في ليبيا.

لقد ثبت بالفعل صواب ظن إسرائيل وخطأ واشنطن، فلم تلبث الثورة المصرية أن تضع أقدامها على الطريق، حتى طرح سؤال الصراع العربي/ الإسرائيلي نفسه على الساحة.

وبشكل لم يشهد له مثيل على مدى العقود الثلاثة الماضية، بداية بتفجيرات أنبوب الغاز المصري لإسرائيل، مرورا بالمصالحة الفلسطينية، ووصولا للزحف الشعبي المصري في ذكرى النكبة تجاه الحدود المصرية الإسرائيلية، ولأول مرة تشهد مصر مظاهرات حاشدة وقوية حول السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وبشكل اضطر الأمن لاستخدام القوة المفرطة لتفريقها .

وفي الوقت الذي رحب فيه الكثيرون بحسم الخلاف حول اختيار الأمين العام الجديد للجامعة العربية، لم يلق اختيار نبيل العربي لهذا المنصب قبولا واسعا في الشارع المصري، حيث صورته بعض وسائل الإعلام المصرية على أنه «مؤامرة» لإبعاد العربي عن السياسة الخارجية المصرية، بعد أن بدت واضحا توجهاته المثيرة لقلق واشنطن وإسرائيل.

الآن تتزايد حدة القلق والتوتر داخل إسرائيل، وتتزايد اتهاماتها لواشنطن بانتهاج سياسات مدمرة لإسرائيل بسبب دعمها لهذا الحراك الشعبي وسعيها لفرض قيادات وأنظمة جديدة، .

حيث يرى الإسرائيليون أن زمن الرهانات على الأنظمة قد ولى، وأن الكلمة في البلدان العربية ستكون، من الآن فصاعدا، للشارع الذي ستحسب له كافة الأنظمة الحاكمة ألف حساب، وأن أي نظام سيأتي للحكم، مهما كانت علاقته (أو حتى عمالته) لواشنطن، سوف يخضع في النهاية للشارع وللشعوب، التي أصبحت تملك وسائل التغيير الحاسمة التي لا تقاوم.