63 عاما هي عمر نكبة العرب باغتصاب فلسطين، مناسبة لاجترار ألم التحديق في مفتاح البيت القديم، ومناجاة الفكرة، نحن الذين ولدنا وشبنا خارج أرض أحلامنا، كنا أكثر حرية في تفصيل الوطن على مقاس الفكرة بكل ألقها المتخيل، لم تكن فلسطين لنا سوى تذكير من آخرين بأننا لاجئون، يحق لنا التنفس بمقدار.
لم نتوقف كثيرا عند الكثير من الأسئلة الملحة، وفي مقدمها السؤال المر: هل حقا تمكنت عصابات يهودية مسلحة من هزيمة جيوش عربية نظامية، جل ما قالته لنا في تشييع ثلث فلسطين «ماكو أوامر»، وغابت وغامت الحقائق في كتب التاريخ الرسمية، التي علمتنا أن قذائف فاسدة هي التي صفعتنا بالنكسة بعد النكبة بـ19 عاما؟!
كل عام، كانت ذكرى النكبة مناسبة للنسيان وتمريرها هذا بأي شكل، سوى ما يحيي الذاكرة على وعد ولد من عهد، بل تعهدات تماوجت مع الهواء فالفضاء، وبقينا نناجي مفاتيحنا ونذرف الدمع كل عيد: عيدنا عودتنا.
لا، وقف التاريخ عند لحظته الفتية لا الهرمة، وكانت المناسبة هذا العام غير ما كانت، هي تحمل الآن الوعد مجددا، بأن العودة ولدت من الفكرة واقعا قابلا للتجسد. الجماهير أخيرا فتحت فمها وقالت كلمتها: عجلة التغيرات المذهلة على رقعة الوطن العربي، حفرت مكانا بارزا في الجغرافيا لفلسطين، تداعت الملايين إلى الزحف المقدس بحق عودة اللاجئين إلى حدود فلسطين.
كان المفاوض الفلسطيني يجلس قبالة الإسرائيلي، ينظر خلفه فلا يجد، بينما الخصم في غنى عن النظر خلفه لفرط ازدحام المصطفين من قوى عظمى وبعض أنظمة منها ما غفا على معاهدات، ومنها ما استنزف الداخل والخارج من أجل توازن قوى وهمي، هو أقرب للنكتة في ميزان الممارسات والنوايا.
هذا العام، بدأت فلسطين تتمرأى لنا من بين غبَش المرحلة السابقة، بتنا قادرين على إنزالها من الفكرة إلى الوعد واحتمالات العودة، إذ لم ينس الذين تنادوا في الساحات لخلع شوائب الضمير الجمعي وإعادة الأمور إلى نصابها، لم ينسوا خصوصية الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال الاستيطاني الوحيد الباقي من مخلفات القرون البائدة، هتفوا فتردد صدى الهتاف دما فتيا في القدس، ذلك أن هناك أناسا لفرط ما شعروا به من وحدة، صارت صرخة واحدة مما وراء الأسلاك الشائكة كفيلة بتسليحهم بإرادة نووية.
على أن أهم خصوصية لذكرى النكبة هذا العام، أنها فككت الألغاز، وأجابت ضمنا عن كل الأسئلة المغفلة: الجماهير هي التي تعيد صنع توازن القوى الرادعة، لا خفايا وتذاكيات اللعبة الرسمية السابقة، صار الرازحون تحت الاحتلال في وسعهم الوثوق حقا بهتافات الأشقاء: نحن معكم.
أحس الجمهور الواسع بوجعه، فعرف حقيقة وجع عضو منه، فتداعى له حتى بالاستعداد للسفر الموشى بالزحف الدامي، بعد ردح من الاندغام في تضامن أممي عنوانه الأسرة الدولية.
نعم، لا ضير من انتظار 63 عاما ليرتفع الصوت سوطا يلهب سياج البيت الأبيض وعواصم أوروبا وقلعة الـ«غيتو» في تل أبيب. ما عادت المعادلة هي ذاتها، وتغير الرقم الصعب، لم يعد حكرا على الصمود الفلسطيني في وجه التذويب، بعدما هدر المحيط العربي بحق قادر على تذويب الباطل، بلا ألاعيب ولا محاولات تمرير.
فلسطين على مرمى هتاف، هو الهتاف كلمة سر الحقبة العربية الجديدة والحديدية.