عندما تصافح عينا القارئ هذه السطور، سيكون هناك حشد من الأسباب قد أضيف إلى العناصر التي يعددها من يميلون إلى التفاؤل حيال المستقبل في مصر، وستكون مبررات أخرى قد أضيفت إلى طروحات من ينظرون بكثير من التشاؤم إلى الآتي في دفاتر الأيام المصرية. ولكن أليس ذلك مبرراً جديداً لرفض التفاؤل والتشاؤم كمنظورين نتطلع من خلالهما إلى المستقبل؟ يتحدث المتشائمون عن الخلافات والانقسامات وعن غياب الاستقرار، وعن عدم تحقق ما يطالب به الكثيرون من العودة إلى وتيرة الحياة اليومية واستئناف العمل والإنتاج، ويتصاعد حديثهم بصفة خاصة لدى الكلام عن الأمن، الذي لا يزال مهتزاً، وعن الصدامات التي تفرض نفسها بين الحين والآخر، بل ويتحدث البعض ممن تظاهروا محتفلين بعيد ميلاد الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن الحنين إلى سابق الأيام، بما فيها من هدوء واستقرار، وكأنهم يتحدثون عن زمن جميل مضى، أو عن عصر ذهبي انقضى.

المتفائلون ينطلقون من أرضية مختلفة تماماً، ربما كانت المفكرة حنا أرندت هي أفضل من لخصها، عندما تحدثت عن نزعة الميلاد عند البشر، فمع كل جيل جديد من البشر تطل بدايات جديدة تكمن في الحياة الإنسانية وفي الفعل الإنساني، ذلك لأن كل جيل جديد يطل حاملاً قوة خلاقة تفتح المجال إلى إمكانيات جديدة وأفكار جديدة وأعمال جديدة، وهم يقولون إن شباب ثورة الخامس والعشرين من يناير هم خير تجسيد لهذه الفكرة، فبعد انطلاقهم بالثورة وتضحياتهم من أجلها يمضون اليوم في سباق مع الزمن نحو سبتمبر المقبل، فيعدون الناس والساحة لانتخابات تبدو لأول وهلة وكأنها محسومة، منذ الآن، للقوى الأكثر تنظيماً واستعداداً وتمويلاً. إذا نحيت التشاؤم والتفاؤل جانباً، إذا أزحت التراب والرماد بعيداً، إذا حاولت أن تنظر بدقة إلى ما يجري في الشارع المصري، فإنك لن تجد أن الركض نحو سبتمبر هو سباق في دنيا الانتخابات، بقدر ما ستجده سعياً لصياغة غد لا يمكن أن يأتي حاملاً معه الضياع ولا الجمود ولا الحيرة ولا الانكسار.

إن من ينتظرون الإعلان عن قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية في مصر ليسوا قلة، ولا هم نخبة محدودة، وإنما الشارع السياسي بكل مكوناته، حيث يدرك الجميع أن المفاصل والمحطات المقبلة في الحياة السياسية المصرية ستكون حاسمة بالنسبة لمستقبل مصر وسيترتب عليها الكثير.

ربما لهذا، على وجه الدقة، لم تخفت قط الأصوات التي تتعالى في مصر مطالبة بدستور جديد، ومؤكدة الإصرار على بناء دولة مدنية حديثة.

وأصحاب هذه الأصوات يدركون بوضوح طبيعة التحديات التي تنتظر مصر، وفي مقدمتها إعادة بناء مؤسساتها على مختلف الصُعد، ونظرة واحدة على أكثر هذه المؤسسات أهمية، وهي المتعلقة بأمن الناس، ولقمة عيشهم، وتعليم أبنائهم، والتعبير عن إرادتهم الجماعية، كفيلة بإقناع الجميع بأن المهام التي تنتظر الإنجاز عديدة وثقيلة في آن. إذا كان هناك من يرى في إنجاز هذه المهام والتصدي لهذه التحديات شيئاً صعباً ومعقداً، ويكاد يرقى إلى أفق المستحيل، فإنه عليه أن يتذكر الانضباط الشديد الذي فرض نفسه في مواجهة ظروف كانت توحي بالانفجار أو الانهيار، وعليه أن يدرك أن شعباً حقق ثورة كثورة الخامس والعشرين من يناير لا يمكن إلا أن يكون قادراً على المضي بها قدماً في مواجهة كل التحديات.

ومن المحقق أن مسيرة الثورة تكتنفها الظلال، وتتربص بها الأشباح، وهي كثيرة وقادرة ومؤثرة، وقد رأينا بصماتها في أكثر من مناسبة، وعند أكثر من منعطف، ولكن من الذي قال إن هذه الأشباح قادرة على التلاعب بمصير شعب برهن على قدرته على المضي قدماً في سبيل تحقيق إرادته، مهما كانت التضحيات.

الطريق إلى سبتمبر طويل حقاً، وحافل بالمخاطر والصعوبات، ولكن إرادة قطع المراحل فيه وصولاً إلى الأهداف المنشودة هي بالضبط ما يجمع بين المصريين كافة اليوم.