في الوقت الذي يشكل فيه الحراك الشعبي العربي هاجسا وتخوفا، وربما رعبا كبيرا لإسرائيل، نلاحظ غيابا واضحا للسؤال الإسرائيلي في الثورات الشعبية التي تملأ الشوارع والمدن العربية، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها، اللهم إلا ما يردده بعض الأنظمة الحاكمة العربية، من اتهامات بوجود أيادٍ إسرائيلية أو صهيونية وراء الحراك الشعبي.

وهي اتهامات بالقطع باطلة وساذجة في نفس الوقت، باعتبار أن هذه الأنظمة الحاكمة طيلة العقود الماضية، جميعها (بلا استثناء) لم تكن تشكل أي خطر أو تهديد لإسرائيل، بل على العكس كانت تؤيد وتدعم السياسات الإسرائيلية بشكل مباشر أو غير مباشر،.

ولا يشك أحد في أنها كانت الخيار الأفضل بالنسبة لإسرائيل وواشنطن، وجميعها كانت مجمعة على عدم المساس بأمن إسرائيل وعلى السعي لعقد اتفاقات سلام معها. وربما تؤكد ذلك حالة الذعر والقلق داخل إسرائيل، ليس فقط مما حدث في مصر،.

ولكن أيضا مما يحدث في سوريا التي لم تخفِ إسرائيل قلقها على مستقبل النظام الحاكم فيها، وحتى بالنسبة لليبيا التي لم يكن نظام القذافي فيها يشكل أدنى خطر على إسرائيل، مما يبرر تخوفها الآن مما هو آت في ليبيا، خاصة في حالة بقاء القذافي وتحوله إلى عدو فعال لإسرائيل.

غياب السؤال الإسرائيلي عن الحراك الشعبي العربي له ما يبرره، فالشعوب العربية التي عانت من أنظمة الحكم المستبدة لعقود طويلة، حصرت حلمها وطموحاتها في الخبطة الكبرى، وهي إسقاط هذه الأنظمة التي حصرت اتهاماتها لها في الفساد والقمع والاستبداد وتغييب الحريات وغيرها من القضايا الداخلية،.

بينما لم يكن هناك مجال لطرح قضايا السياسة الخارجية، اللهم إلا في الحالة المصرية التي شهدت بعد نجاح ثورة ‬25 يناير، تفعيلا واضحا لقضايا السياسة الخارجية، سواء على الساحة العربية أو الإقليمية أو الإفريقية. ورغم هذا لم نجد حتى في الحالة المصرية حتى الآن، تفعيلا واضحا لسؤال العلاقات مع إسرائيل، ومن المؤكد أنه سيأتي في ما بعد، وهذا ما تتوقعه وتخشاه إسرائيل وأيضا واشنطن، خاصة وأن المؤشرات لا تطمئنهم.

غياب السؤال الإسرائيلي في الحراك الشعبي العربي الآن له أيضا ما يبرره، وذلك نتيجة التشويه المتعمد طيلة العقود الماضية لجوهر الصراع العربي الإسرائيلي، والهجوم المتعمد أيضا على فكرة القومية العربية وقضاياها، بحيث تحولت إسرائيل خلال العقدين الماضيين إلى شريك للسلام مع العرب، بل وحليف لهم ضد أعدائهم الآخرين المصطنعين.

بل أكثر من ذلك، أصبحت إسرائيل جهة استقواء لبعض العرب ضد إخوانهم العرب، سواء بين الدول أو حتى بين الفرق المتصارعة داخل الدولة الواحدة، ووصل الأمر لدرجة أن جرائم إسرائيل البشعة ضد فصيل أو جزء من شعب عربي ما، لا تشكل إزعاجا ولا تحرك ساكنا لدى جزء آخر من نفس الشعب داخل نفس الدولة، بل ربما بصعوبة يكاد يخفي رضاه عن هذه الجرائم وتأييده لها.

في ظل هذا المناخ العام، يصعب على الحراك الشعبي العربي الآن أن يطرح السؤال الإسرائيلي أو يفكر فيه، خاصة وأن العنصر الرئيسي والسائد في هذا الحراك هم الشباب الذين لم يعيشوا فترة الصعود القومي العربي وتأجج الصراع العربي الإسرائيلي، قبل اتفاقية كامب ديفيد المصرية ـ الإسرائيلية التي غيرت مجرى تاريخ هذا الصراع.

هذا التغييب للسؤال الإسرائيلي الآن، لا يعني أنه مهمل أو ليس ذا قيمة، بل على العكس، ربما يعني أنه هام وخطير بالدرجة التي لا يستطيع الحراك الشعبي العربي الآن أن يخوض فيه، خاصة في مرحلة التغيير وإعادة بناء الاقتصاد. فإثارة هذا السؤال الآن قد تسبب مشاكل وصدامات خارجية، وربما داخلية، لا تتحملها مرحلة التغيير الثوري، لكنه حتما، آجلا أو عاجلا، سيثار وسيشمله التغيير أيضا، وهذا ما تتوقعه إسرائيل وتعيش في رعب منه.

د