تمت المصالحة الفلسطينية فجأة، وهذه الفجأة لشدة وقعها طغت على التوقف عند بزوغ مصطلح سياسي جديد في لغة الضاد الجديدة، يتعلق بــ «الشعب المندس»، ولا سيما أن الوضع الفلسطيني عانى ردحا من روائح هذا المصطلح إبان الاستقلال الدموي لـ «دولة غزة»، من حيث الاتهامات المتبادلة بالتبعية لجهات خارجية وتنفيذ أجندتها.

 

وهو الأساس الذي يقوم عليه المصطلح الآنف. لا بأس، فوجئ الجميع بوفدين من حركتي «فتح» و«حماس» يتفاوضان سرا في القاهرة، في جولة قياسية السرعة والإنجاز، وذلك على خلفية مؤشرات جدية عدة، أبرزها إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل نحو شهر، عزمه زيارة غزة لتحريك المصالحة.

 

مصدر المفاجأة كان قبول «حماس» الورقة المصرية، التي كانت الحركة تناور ابتداء، ومن ثم ترفضها قطعا بعد إتخامها بالتحفظات والإضافات، علاوة على قبول الحركة العقائدية بالبراغماتية في ما خص العملية السياسية وسقفها التفاوضي، حين ترك لمنظمة التحرير الفلسطينية ملف المفاوضات، والاكتفاء بحكومة تختص بالوضع الداخلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

لا جديد إن قلنا إن التغيرات المذهلة التي تشهدها الساحة العربية، إزاء الصعود الهادر للروح المعنوية الجماهيرية، وغياب لاعبين سياسيين تقليديين استأثروا طويلا بمفاتيح الملف الفلسطيني، مهد الأجواء للمصالحة الفلسطينية، لكن ينبغي هنا التفريق بين تغير الظروف المحيطة والضاغطة على الحركتين.

 

معسكر «الممانعة»، يخضع حاليا لامتحان الاستقرار بنسب مختلفة، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، فإن «جماعة الإخوان المسلمين» المصرية تعد العدة للقفز إلى موقع السلطة لا المعارضة المقموعة.

 

وبالتالي تحليها بروح المسؤولية وانصرافها إلى المساهمة التاريخية في بناء مصر الديمقراطية الجديدة، وحاجتها الملحة إلى وجه حضاري لين وناعم، ما يفرض النأي عن أي تحالفات راديكالية متشددة، حتى لو كان الطرف الآخر هو «حماس».

 

إذن، تقريبا انفرط عقد التحالف الداعم لـ «حماس»، مضافا إلى أوضاع معيشية مزرية في القطاع، وتنامي التذمر من نظرة الحكم الأحادية لدى الحركة، وخنقها كل ما يخالف اجتهاداتها السياسية والاجتماعية، تاركة مقدرتها على الاستمرار في الحكم في مهب حزمة من الأسئلة.

 

على الجانب الآخر، انشغلت الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بالتماهي أحيانا والتنافس في أحايين أخرى، في محاولات اللحاق بركب الهبات الجماهيرية العربية.

 

ومحاولات الإسهام في ترتيب الخريطة السياسية العربية الجديدة، فخفتت الضغوط والشروط على عباس، الذي قرر على ما يبدو قرارا جريئا بإنهاء حياته السياسية بالاستجابة لنداءات «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، غير أن جرأة عباس تتمثل أكثر في إقدامه على القفز عن شروط أطياف واسعة في «فتح» نفسها، لإتمام المصالحة.

 

وفي مقدمتها محاسبة المسؤولين من «حماس» عن قتل المئات من الفتحاويين، إبان الإطاحة بالسلطة في القطاع. أما في ما خص علاقة عباس بواشنطن، فيبدو جليا أن الرئيس الفلسطيني مل الوعود الأميركية العاجزة.

 

وإحباط بعد استبشار من مقدرة إدارة باراك أوباما على الضغط على بنيامين نتانياهو، حتى في موضوع يسير من عيار وقف الاستيطان، بل والتلويح باستخدام الفيتو والعقوبات إن أقدم عباس على رفع هذا الملف إلى مجلس الأمن.

 

خطوة مبشرة، إذا استمر رمي الفلسطينيين المؤثرات الخارجية وراء ظهورهم، والالتفات أخيرا إلى تصليب الوضع الداخلي، ضمانة للتأثير في مجريات ومستجدات الأمور.