أبرز الخلاصات المشتركة المتبلورة في ربيع الثورات العربية تتمثل في عجز الأنظمة إزاء التجاوب مع شعوبها. تلك أنظمة لم تعتد أصلاً فن الإصغاء إلى الشارع. كلها ذهبت على درب إجادة السرد الأحادي والنزوع من الحوار إلى المونولوغ.
هي أنظمة اعتزلت الرأي العام واكتفت بالإنصات إلى التقارير أحياناً وإلى نخبتها غالباً. تلك ليست نخبة حقيقية وفق التصنيف الفكري، بل حاشية أقرب «شلة» أو طغمة عمدت إلى عزل الرأس عن جسده الوطني فاستسلم إلى خدر الزعامة المفخخة.
أبرز السمات المشتركة بين الزعامات المتهاوية تحت الهتافات والشعارات المتداولة عبر الحدود تتجسد في احتباس القيادات خلف جدار أمني سميك يحجب الصوت والرؤى بين الرؤساء والشعوب. ذلك جدار يتسامك مع مرور الزعامات والشلة الحاكمة حد فقدان الرئيس حاستي السمع والبصر. عندئذٍ يبدأ النظام يدخل طور الاستبداد والفساد.
في الهامش الضيق بين النظام والشعب تنمو طحالب الإفساد كالفطر. كل الزعامات المتهاوية تكتشف بعد فوات الأوان أن الانزلاق إلى المستنقع بدأ من داخل البيت.
في جميع الحالات العربية المعنية تبرز أسرة الرئيس محوراً أساسياً في شبكة الفساد. قد تكون السيدة الأولى اللاعب الرئيسي وربما الأبناء أو الأشقاء والأقرباء أو الأطراف كلها.
كل الأنظمة المنهارة رفضت سماع الرأي العام، بل خنقت الرأي الآخر، فاحتسبت دور الإعلام في المديح العالي للزعيم ونزعت عنه سمة النقد.
جميع الأنظمة العربية بما فيها النخب الحاكمة أخذتها الهبات الشعبية بالمباغتة حد الإرباك. عوض البحث عن دوافع المفاجأة والعمل على المعالجة أو الاحتواء لجأت النخب الحاكم لخيارها المعد وهو العلاج الأمني.
كما هي العادة فإن الرئيس آخر من يعلم الحقيقة. في الوقت الضائع يكتشف الزعيم أن جميع رجال الرئيس أقل وفاء للنظام كما هم للشعب والوطن وأكثر التزاماً بمصالحهم الضيقة. عندئذٍ يبدأ القفز من القارب الغارق. في كل الحالات العربية يكتشف جميع المراقبين إخفاق الزعيم في التقاط زمام المبادرة المناسب في اللحظة المناسبة. بدلاً عن قيادة عجلة الأزمة يفقد النظام البصر والبصيرة فيبدأ في الركض خلف الأحداث. بما أنها جميعها أنظمة هرمة مترهلة متيبسة تفقد القدرة على ملاحقة حركة الشارع عندما تنهض الشعوب من تحت رماد القمع والاستبداد تصبح مهيأة لتفجير كل طاقاتها بإيقاع متسارع بغية بلوغ غاياتها. حين تكسر الشعوب حواجز الخوف فإنها لن تتوقف قبل اشباع كل تطلعاتها الممكنة. كلما ازداد النظام عنفاً كلما ازداد الشعب عنفواناً. على قدر توغل الجماهير في الجرأة تتكشف هشاشة خاصرة النظام. جميع الأنظمة لا تدرك أو لا تريد الأعتراف بأن الديمقراطية هي وقود الحراك الشعبي المباغت. بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية خصومة تقليدية. تحت الضغوط الشعبية المتسارعة يبدو النظام وهو يسعى لمطاردة الأزمة كمن يتحدث بلسانين أو يعالج بذراعين. ليت كل الأنظمة الشمولية تدرك أنها خاسرة لا محالة معركة قمع الحراك الجماهيري.
بما أن هذه الأنظمة دأبت على الهروب إلى الخارج في محاولة إخفاء عجزها في تحقيق واجباتها الداخلية فقد استدعت كلها الخارج في صيغ متباينة على حافة الانهيار كلها حاولت الاختباء وراء ستارة «المؤامرة» الخارجية.
في جميع الحالات بلغت فاتورة اقتلاع النظام الفاسد كلفة باهظة لكن في موازنة الربح والخسارة فإن رصيد الشعب ليس زاخراً بحيث تحرص الكلفة على الندم. على نقيض ذلك تكتشف الشعوب كم هي متخمة أرصدة حفنة من الرجال والنساء.