في طوفان الأحداث الهادرة التي تجتاح المنطقة، وبينما المدن العربية تصدم بمقتل المشيعين للشهداء، لتتوالى الجنازات، كأنها مسيرة تأبى الانقطاع، يمكن أن ينسى الناس الكثير، فللموت رهبة، وعندما تقرر مصائر الأوطان، فإن النفوس تطير شعاعاً.

هذا صحيح، بالتأكيد، ولكن بلداً بأمه وأبيه كالعراق لا ينبغي أن ينسى، حقاً إنه استطاع استقطاب اهتمام الكثيرين بتظاهرات الأحرار التي اجتاحت مدنه، ولكنني أخشى أن الكثيرين في عالمنا العربي قد انزلق العراق من ذاكرتهم، بفعل وقائع الأيام المدوية وأحداث النار والجمر التي غدت تشكل نسيج الذاكرة العربية اليوم.

العراق يعود اليوم ليطرق أبواب ذاكرتنا بقوة، حيث يوشك أن يحدث ما سبق أن حذرنا منه طويلاً، وهو أن المخططات الأميركية لا تمر بالانسحاب من العراق، مع نهاية هذا العام، وليس من قبيل الصدفة أن روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي توالت تصريحاته بأن على القادة العراقيين أن يقرروا ما إذا كانت القوات الأميركية ستبقى في العراق من عدمه بعد ‬31 ديسمبر المقبل، وكأنه يريد من القيادات العراقية أن تبادر بطلب بقاء قوات الاحتلال على أرض العراق.

التحليلات الأميركية تتحدث عن بقاء ‬20 ألف جندي من قوات الاحتلال البالغ عددها حالياً خمسين ألف جندي، بعد الحادي والثلاثين من ديسمبر.

التحليلات الأميركية أيضاً تتحدث عن خطة السفارة الأميركية لنشر ألف دبلوماسي في العراق، يدعمهم ستة عشر ألف متعاقد، لضمان بقائهم في السفارة الأميركية في بغداد والعديد من القنصليات في أرجاء العراق، فيما وصف بأنه عملية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الخارجية الأميركية.

ليس لهذا فقط ينبغي على العرب ألا ينسوا العراق، وإنما لأن ألف وثيقة طفت على السطح بمقتضى قانون حرية الإعلام البريطاني، ونشرت صحيفة «إندبندنت» اللندنية مقتطفات منها، تؤكد أن كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات النفط البريطانية قد اجتمعوا مع ليدي سيمونز وزيرة التجارة البريطانية قبل خمسة أشهر من غزو العراق في مارس ‬2003 لبحث مصالح هذه الشركات في النفط العراقي، وأكدت الوزيرة لهم ضرورة حصول شركاتهم على نصيب من احتياطات النفط والغاز العراقية الهائلة، مقابل المشاركة البريطانية في الخطط الأميركية لغزو العراق.

ونحن جميعاً نعرف أنه في أعقاب الغزو تم توقيع عقود مدتها عشرون عاماً، هي الأكبر في تاريخ صناعة النفط العراقية، وغطت نصف الاحتياطيات العراقية، أي حوالي ستين مليار برميل من النفط، حصلت عليها شركات مثل بريتش بتروليوم والشركة الصينية للنفط. وتشير التقديرات إلى أن الكونسرتيوم الذي شكلته الشركتان وحده سيحصل على ربح سنوي قدره ‬658 مليون دولار سنوياً من حقل الرميلة في جنوب العراق لا غيره.

بقي أن نتذكر أن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير أكد مرات عديدة، منها تصريحه في ‬6 فبراير ‬2003 و‬12 مارس ‬2003 ، وان بريطانيا ليست لها أي مصالح استراتيجية في العراق، وأن الحديث عن نظرية مؤامرة نفطية هو أمر عبثي تماماً.

ومن جديد نحذر: إن النسيان أقصر الطرق لضياع الأوطان، ورغم شلال الدم الهادر في عالمنا العربي، فإن الذاكرة المتوهجة بالوعي هي سلاح آخر يجب أن يشهر في مواجهة من يتربصون بنا.