لا شيء جديداً على الساحة العربية، سوى تحرك سياسي من ساحات محكمة البناء الاجتماعي والاقتصادي، لمواجهة حراك دموي في ساحات متخمة بالقنابل الاجتماعية والاقتصادية الموقوتة.
نعم، أمواج «تسونامي» المتلاحقة الضاربة غير مكان عربي منذ اشتعال البركان البوعزيزي، تمر في ذات المسارات وذات السيناريوهات، وكأن أنظمة الحكم تخرجت من المدرسة السياسية ـ الأمنية نفسها، في مقابل جماهير تتعلم من بعضها البعض، تدرس التجارب السابقة وتبحر في عباب مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية، التي غدت أشبه بمنابر تعبئة وتوجيه.
مع كل فورة جماهيرية، تسح الدماء وتبدأ مسيرات الجنازات وإعادة إنتاج الغضب وتصعيد الشعارات، يقابلها استشراء المعالجة الأمنية وما تخلفه من حالة تجييش أشد تشعل الشارع، فتتحرك الدول الغربية عبر أدوات من مثل مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان. وحتى العربي المصارع نظامه في الشارع، ينتظر مددا بكل أشكاله من الغرب، ولا رجاء ربما من العرب.
هنا بشائر تغيير تلوح من مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مظلة دول تتمتع بمستوى معيشي مرتفع رسخ ثقافة التنافس على الرفاه، وعقد اجتماعي سياسي محكم موروث من عقود طويلة أذابت الحاجز الفاصل بين الحاكم والمحكوم.
إذن، بارقة الأمل ببساطة تأتي من مواقع صنع قرار مرتاحة ومستقرة، لا تعاني تبعات الـ«تسونامي» العربي الجديد، ورغم ذلك تجاوزت عواصم عربية كان منوطا بها مستقبل الأمة برمتها، تجاوزت مؤسسة جامعة الدول العربية المفترض أنها بيت الخبرة الدبلوماسي لنا، تجاوزت وتفوقت على الظروف المحيطة، وبادرت سياسيا لحل الأزمة اليمنية بداية، فسدت الفراغ وقطعت الطريق على مجلس الأمن وحلف شمال الأطلسي «ناتو»، ولعبة القط والفأر العسكرية في ليبيا.
ورغم تعقيدات المشهد اليمني، لم تيأس الدبلوماسية الخليجية العربية من تعدد مواقع صنع القرار في «اليمن السعيد»، ولا الصد المبدئي من قبل كل الأطراف، فضلا عن غياب الخط الفاصل بين الحكم والمعارضة، فانشقاقات المستوى السياسي والعسكري أذابت حدود النظام الحاكم، في حين المعارضة تتنازعها قوى سياسية تقليدية ممثلة بـ«اللقاء المشترك»، وقوى شبابية جديدة اقتحمت وغى التغيير على صهوة «فيس بوك»، بينما هواجس تعاظم «القاعدة» والحوثيين تتربص بالجميع.
الخصوصية اليمنية البالغة التعقيد، كانت كفيلة بفشل القوى الثماني الكبرى في أي مبادرة حل، لكن المثابرة الخليجية العربية وخبرة القرب الجغرافي ـ الاجتماعي، أثمرا نجاحا يؤسس لحقبة عربية جديدة عنوانها «ما حك جلدك مثل ظفرك».
عامل آخر في منتهى الأهمية، ساهم في نجاح مبادرة «التعاون» اليمنية، هو أفول النظام العربي القديم، القائم على مساومات وتحالفات بين أنظمة بعضها لم يعد موجودا، وبالتالي تحررت الدبلوماسية الخليجية من عوائق وحواجز العواصم «العريقة»، وبات في وسعها التأثير بقوة الإقناع وجدية الطرح ونجاعة الحلول وواقعيتها.
وكلنا نتذكر المبادرة الإماراتية التي سبقت الحرب على بغداد، والتي أجهضتها حبائل النظام العربي القديم، ولو قيض لها النجاح لما خسرنا بلدا عربيا في ثقل العراق.
بقي القول إن دول «التعاون» بدأت في مرحلة كسب ثقة الشعوب، عبر تحركها الجريء للمشاركة في حماية المدنيين في ليبيا، ومنع انزلاق البحرين إلى حرب طائفية تنفذ منها قوى إقليمية متحفزة.
لا ينقص لإطلاق حقبة جديدة من المبادأة والمبادرة العربية، سوى التفاف واسع من المحيط إلى الخليج لدعمها، علّنا نؤثر في ما يكتبه تاريخنا المعاصر، بعدما نطوي صفحاته المتخمة بمسيرة سلبية شعاراتها التأثر وردود أفعال انفعالية لا تبقي، بل تذرونا في مهب الريح.