لا شك أن البحث عن الحياة يملؤك حياةً، والبحث عن الموت يجعلك تموت كل يوم، وأستغرب ممن يضع النظارة السوداء مرة واحدة وإلى الأبد، استغرابي ممن يأخذ مصائب الناس حوله بابتسامة جامدة لا تناسب إنسانية الإنسان، الحياة بحر زاخر ونحن فيها كالأسماك، علينا توقع أي شيء في أية لحظة، وهذا هو أحد تعاريفها ( توقع اللا متوقع ) ولكن ذلك لا يعني إغلاق أعين الدهشة عما نراه من جمال ونعم وإشراق حولنا في كل آن.
مع انتهاء صيفنا الطويل الذي يأكل الخريف في أتون لهيبه وانخفاض درجة الحرارة، تكاد الناس تجن من الفرحة، ويكثر الخروج للبر، وإقامة المخيمات، والسهر والسمر في تلك الأجواء الجميلة. ويعتاد الناس الجو ويحسبونه دائماً، ويتوقفون عن الاستمتاع به، ناسين موسم الحر الطويل الآتي لا محالة، يتوقف الناس عن الاندهاش والفرح بالجلوس في شرفة المنزل، وهو ما لا يمكن عمله لأربعة شهور كاملة في الصيف، يتوقفون عن التجول في حدائقهم المنزلية فضلاً عن الاعتناء بها أو ريها بغرض الاستمتاع، ناسين الوقت الذي لا يمكنهم إلا النظر إلى هذه الحدائق من وراء زجاج، أما نعمة مراقبة الشروق والغروب المتاحة في هذا الجو المعتدل فإن الغالبية تغفل، ولا تذكرها إلا حين تصبح حلماً من الأحلام بعد وقتٍ قليل. ننسى ما بأيدينا في ركضنا لتأمين ما ليس بأيدينا، وعندما يكون الأمر جمعياً، وتسمع الطفل الصغير يقول لك: ملل، والمراهق يصرخ : ملل، والشاب يصيح: ملل، عندما ترى كبار السن وصغار السن يشتركون فيما يشبه وباء اسمه: ملل، ندرك بأن انعكاس ذلك يكون عاماً أيضاً مما يحيلنا إلى صديقنا الدائم التوعية، نعم التوعية أكثر بهذه الحياة وكيفية التعاطي مع تفاصيلها والاستمتاع بها.
عودت نفسي على التذكير بنعمة التعديلات التي طرأت على الطرق في دبي، وفي كل مرة أخرج فيها من البيت وأصعد جسرا من تلك الجسور الصغيرة الجميلة أو أدخل نفقاً من الأنفاق الجديدة لا يفوتني أن أقول ولو لمرة واحدة : شكراً هيئة الطرق بصوتٍ مسموع، حتى عندما أعاني من بعض سلبياتها أقول: شكراً هيئة الطرق، ليس بمعنى الشكر هنا طبعاً، ولكنه أسلوبي في التذكير ببهجة التغيير الذي حدث في الحياة مع هذه التعديلات، أسلوبي في مكافأة نفسي، عندما أتذكر الشهور الطويلة التي استغرقتها هذه التعديلات وعانينينا فيها من إغلاق بعض الطرق واضطرارنا لسلوك طرق طويلة للوصول إلى أماكن أعمالنا أو مدارس أطفالنا، فهلا تذكرتم الصورة قبل وبعد واستمتعتم بما أنجز ولم تتوقفوا عن استشعار جماله وبهجته، وأسمعتم أطفالكم نبض شعوركم ليكبروا على فن الاستمتاع بما في أيديهم من نعم ؟
الحدائق التي تكاد تشبه حدائق بابل في بعض شوارع دبي، الزهور التي يخلب الألباب ألوانها وتناسقها، النوارس التي يحلو لها التناثر على المسطحات الخضراء القريبة من الخور، يمر عليها الكثيرون يومياً، وهم يرددون : أف ما هذه الحياة، بدلاً من الشعور بنعمة الله في منح كل هذا الجمال لذلك المكان. تميزك، تميز مدينتك، تميز من حولك، مدعاة للشعور بالفرح وتجديده والتذكير به. تبرز الحالة بنقيضها طبعاً، عندما نسافر إلى الغرب يفتح الجميع أعينه على الفن الغائب في حياتنا، الحاضر هناك على الدوام، ولقد سمعتها من الكبار والصغار، المثقفين والأميين على السواء، سمعت منهم هذه العبارة: انظروا إليهم كيف يحرصون على الاستمتاع بحياتهم، نعم إنهم يحتفلون بالجو والشمس، بالصيف والربيع، والكرز والعنب، والصحة والشباب، واللغة والإنجازات والفنون والرياضات، وكل شيء فوق هذه الأرض تحت هذه الشمس.
القدرة على الحياة تعني القدرة على الاستمتاع بها في المقام الأول، ولقد علمنا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام أن الحياة فرص، وأن علينا اغتنامها، نغتنمها لنطيع الله ونعمر هذه الأرض، وتفاؤلنا وإيجابيتنا وتفاعلنا الجميل مع جمالها ما هو إلا اغتنام، وعدة لنا للسير الأفضل والأجمل والأقوى إلى الله.