من المعروف عن الشعوب الشرقية بشكل عام أنها عاطفية، والشعب المصري بحكم تاريخه الطويل تسود فيه هذه الظاهرة بشكل واضح، والبعض يعتبرها ميزة، لكنها في أغلب الأحوال ظاهرة سلبية، لأنها تعطل عمل العقل وتبعد التفكير الإنساني عن الموضوعية والعلمية المنهجية.

 

وقد ظهرت هذه الظاهرة بشكل واضح في ثورة ‬25 يناير المصرية، وبالتحديد مع الخطاب الثاني للرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي تم إعداده بطريقة ذكية من أجل استدرار عواطف الناس ضد الثورة،.

 

وقد أحدث الخطاب بالفعل أثرا نسبيا، لكن المشكلة أن التوقيت لم يكن مناسبا لكي يفعل الخطاب فعله في الشارع المصري المشتعل، حيث كانت قوى الأمن والبلطجية والمجرمون من أنصار النظام، يهاجمون بوحشية جماهير الشعب المحتشدة في الشوارع ويطلقون عليهم الرصاص ويدوسونهم بسياراتهم، ويشنون عليهم الهجمات البربرية بالخيل والجمال والسيوف.

 

مما أفقد خطاب الرئيس فاعليته وعطل هدفه في استدرار عواطف الشعب الذي رأى دماء الشباب تغطي الشوارع.

 

بعد أن انتصرت الثورة ورحل النظام وفرض الحظر والإقامة الجبرية على مبارك وعائلته في شرم الشيخ، لم يتعظ أعضاء النظام المخلوع ولم ييأسوا، بل ذهبوا يعبثون سرا من أجل إفساد الثورة ومن أجل الوقيعة بين الجيش والشعب.

 

وعادوا يعزفون على وتر استدرار عواطف الشعب المصري، فكانت الكلمة التي وجهها حسني مبارك من منتجعه في شرم الشيخ إلى الشعب المصري عبر تليفزيون «العربية»، هذه الكلمة التي حاول فيها استدرار عطف الشعب عليه، وذهب يدافع عن نفسه وعن سمعته ويدحض كل ما قيل عن ثرواته هو وأسرته ويعتبرها أكاذيب.

 

واتضحت لغة استدرار العواطف في كلمة مبارك، من حديثه عن حياته التي قضاها في خدمة مصر حربا وسلما وفي خدمة الوطن بشرف وأمانة. ولسوء حظ الرئيس وأركان نظامه، أن هذه الكلمة التي كان من المنتظر أن تستدر العواطف وتجيش المظاهرات المضادة للثورة، هي التي أثارت الشعب والجيش أيضا ضده.

 

واعتبرها المجلس الأعلى العسكري إهانة كبيرة له، حيث إنه كمسؤول مفوض من الشعب لتحقيق مطالب الثورة وأهدافها، فهو المسؤول عن فرض الإقامة الجبرية على مبارك وأسرته ومنعهم من الاتصال بأية جهات.

 

وخاصة الإعلامية منها، وظهر غضب المجلس العسكري والسلطات واضحا في الحملة القوية التي قاموا بها لاعتقال أركان النظام ومبارك وأبنائه وإحالتهم للتحقيق وإيداعهم السجون.

 

الآن وبعد أن اجتازت الثورة المصرية مرحلة هامة بضرب أركان النظام وإدخالهم السجون، وبعد الحكم القضائي بإلغاء الحزب الوطني الحاكم لثلاثة عقود مضت، من المفترض أن الأمور ستهدأ لتبدأ الحكومة والسلطات في مصر عملها، خاصة .

 

وأن الشارع المصري تقبل ببالغ السعادة والفرح تطورات الموقف والاعتقالات الأخيرة، لدرجة أنه قرر مكافأة الحكومة والمجلس العسكري بعدم التجمع في ميدان التحرير يوم الجمعة، تعبيرا عن رضاه عن الأداء والإجراءات المتخذة.

 

لكن مسلسل استدرار العواطف لم ينته بعد، فما زال هناك من يلعب على هذا الوتر لدى الشعب، من خلال وسائل الإعلام، وخاصة الفضائيات المصرية التي ما زالت تديرها وتوجهها نفس الشخصيات والوجوه السابقة، هذه الوجوه التي تحاول الآن أن تتلون وتلعب على الحبلين.

 

وما زلنا نسمع على هذه الفضائيات من يتحدث عن مبارك قائلا «له حسناته وله سيئاته»، ومن يقول إن «أعضاء الحزب الوطني ليسوا كلهم ملائكة ولا كلهم شياطين»، هذه الكلمات التي تبدو في ظاهرها منطقية،.

 

لكنها مخالفة للواقع ولروح الثورة، إذ لا يمكن أن يكون لمن قضوا عمرهم في سرقة البلاد ونهب الأموال وبيع أراضي الدولة بأبخس الأسعار وتدمير الاقتصاد والزراعة والصناعة وإفقار الشعب وتجويعه، ثم قيامهم بقتل مئات الأبرياء من الشباب، أن تكون لهم حسنات، خاصة وأنهم مصممون على عدم إعادة المال المسروق لأصحابه.