الثورة فعل مباغت ضد السكون والركود والقعود. الثورة نهوض جماعي يحفر في جدران الاستبداد والقهر وركام الفساد. هي عمل خلاق بغية فتح نوافذ الوطن المغلقة عمداً أمام تيارات التغيير ورياح الحرية. هي كذلك حراك شعبي من أجل استرداد المنهوب من الكرامة والعدالة والسلطة والمال العام.
الأنظمة المترهلة بالفجور أول المأخوذين بالمباغتة الثورية. بعد الاطمئنان إلى تخدير الشعوب بجرعات متباينة من الوعود إلى القمع، فقدت الأنظمة حاسة الاستيعاب. روح القطيع غلبت على الجميع من القاعدة إلى القمة. غليان الشارع لم يكن وارداً في الحسابات الرسمية. السلطة متخمة بتطمينات أجهزة الأمن والصمت الشعبي والمال الحرام. الجوعى والمغلوبون يئنون تحت كلفة الحياة اليومية والإحباط. الطبقات الوسطى تلاشت في حرارة لهاث الخبز اليومي. لذلك تختبئ السلطات وراء مزاعم أوهى من خيوط العنكبوت من وهج الثورة فترفع حجج تباين ظروف كل وطن وكل شعب وكل نظام. كل الأوطان مختنقة بالأزمات. كل الأنظمة مسكونة بالاستعلاء حد العمى. كل الشعوب منزوعة الحقوق. من لا يستوعب حركة التاريخ يسقط حتماً في المنعطفات الحرجة.
لهذا اعتدنا هروب الأنظمة الاستبدادية أمام أمواج الثورات الشعبية من الواقع إلى الوهم. كل الخطابات الرئاسية لم تتضمن الكلام المناسب في الوقت المناسب. عوضاً عن الإنصات لهتافات الشارع، ومن ثم استباق الانفجار بتدابير سياسية ذكية، تلجأ الأنظمة للاختباء وراء أجهزة الأمن. لذلك لم تستبن القيادات الملامح الفتية في الهبات الجماهيرية. صبر الشباب نفد على أرصفة البطالة والتهميش والإحباط. الثورة مغامرة تخترق الواقع أو تهدمه من أجل غد أفضل وأجمل.
الثورة فصل تاريخي شعبي مداده الدماء. حين تثور الجماهير لا ترتضي المساومة وأنصاف الحلول والنكوص عن غاياتها. عندما تبلغ المواجهة صراع الإرادات، تنتصر الشعوب لا محالة على الأنظمة. كل الأنظمة تلجأ حينما تشعر بالوهن إلى مطاردة الشعارات بالإغراءات. تلك مرحلة العد التنازلي للهزيمة والانتصار. بعدما يقدم الشعب الأرواح قرابين للثورة، يصبح عصياً على الإغواء والاحتواء. القادمون من الحواري والأزقة وأطراف المدن المنسية تجاوزوا كل أطروحات النخب، فلن يكون هناك متسع لبورصة المساومات.
تحت الضغط الشعبي يضيق الوطن بسارقي النظام العام والمال العام والحق العام، وأصحاب المكتسبات المزيفة، فبتدأ مرحلة البحث عن الملاذ البديل.
النمطية ليست سمة الأنظمة وحدها في الوطن العربي. الثورات العربية متشابهة أيضاً من المفردات إلى الخيارات. الشعب التونسي لا يستأهل فقط تقدير الريادة، بل يحتفظ كذلك بحق رسم «كاتلوج» الثورة العربية. كل الشعوب العربية الثائرة لم تخرج في حراكها عن الإبداع التونسي. ما أجمل امرأة تصرخ في وجه العسكر. ما أكبر صبي ينزف تحت أحذية الأمن. ما أبهى فتاة تردد حداء الثورة. ما أغبى أنظمة تصعد في جبروتها أرواح شهداء إبان جنازات الشهداء.
كل الشعوب العربية تتشابه حتى في الحالات الثورية. موجات الفوضى والعاطفة تطغى على المشهد السياسي في كل العواصم الثائرة. الفوضى نتاج بدهي في أعقاب الثورات. المظالم المتراكمة في القيعان تولد رغبات محمومة لاسترداد الحقوق السليبة. عقلنة الثورة تكمن في كبح جماح الرغبات دون بلوغ الثأرات. العاطفة ليست في طبع الثوار. إذا طغت المشاعر حد تحصين الفاسدين ضد العدالة فلم هبت الجماهير الثائرة؟!. ليس في طبع الثورة الشفقة بخصومها الفاسدين.
داخل العزلة يكتشف أعداء الثورة أن الأرصدة الحقيقية ليست تسمين الحسابات المصرفية، بل في بناء المحبة الشعبية.