الذين تابعوا مواقف إسرائيل من تطورات الأحداث في مصر، لا بد أنهم قد لاحظوا أن هناك صمتاً رهيباً على كل المستويات، حرصت إسرائيل على التزامه، باستثناء تصريحات جد محدودة، لكنها كانت كافية للدلالة على الاتجاه الذي تمضي فيه عملية إعادة الصياغة الحالية لاستراتيجية إسرائيل حيال تطورات المنطقة في السنوات المقبلة. هناك ثلاثة تصريحات، هي أقرب إلى شروخ في جدار الصمت الإسرائيلي، أولها تحذير بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي من أن مصر قد تتحول إلى بلد تتصدى القوى الإسلامية لقيادته، وثانيها تصريح للميجور جنرال عاموس يادين، الذي ترك إدارة المخابرات العسكرية الإسرائيلية في يناير الماضي، والذي قال فيه إنه إذا عادت مصر إلى عدائها «التقليدي» لإسرائيل، فإن عدد الفرق والأفواج الإسرائيلية لا بد أن يتغير.
وثالثها، تصريح لناطق باسم وزارة الحرب الإسرائيلية بأن إسرائيل ربما تحتاج إلى إعادة تشكيل الفرق الثلاث التي كانت قد قامت بحلها في عام 2003 بفعل التخفيضات في ميزانية الحرب الإسرائيلية، كما قد تشكل عدة أسراب جديدة من الطائرات المقاتلة الحديثة. لكن ما الذي يجري وراء جدار الصمت الإسرائيلي الصارخ هذا حقاً؟ يكاد يكون من المستحيل التنبؤ بالحد الأدنى من العناصر التي تشكل إجابة مقنعة عن هذا السؤال، لكننا يمكننا أن نجمع مؤشرات دالة على الطريق الصعب نحو مثل هذه الإجابة. بداية لا بد أن نلاحظ أن إسرائيل بين يدي انتقال من النقيض إلى النقيض المقابل تماماً، فهي في السنوات القليلة الماضية عرفت وضعاً أمنياً لم تشهد أفضل منه في تاريخها، ويكفي أن نتذكر أنه في العام الماضي لقي أقل من عشرة إسرائيليين مصرعهم في هجمات شنتها المقاومة الفلسطينية.
وذلك بالمقارنة بعشرات كانوا يلقون مصرعهم سنوياً في السنوات القليلة التي سبقت ذلك، ولم يطلق من قطاع غزة على إسرائيل في عام 2010 إلا أقل من 130 صاروخاً، مقابل 570 صاروخاً في 2009. ومقابل هذا الهدوء، يتوقع الخبراء العسكريون الإسرائيليون سنوات من نار، مع تغير القيادة في مصر، ولم يترددوا في الإشارة إلى أن ميزانية الحرب الإسرائيلية لعام 2011 والمقدرة بحوالي 14 مليار دولار، ينبغي أن تقفز إلى ما يتجاوز ذلك بكثير بعد التغيرات في مصر. ويلاحظ أن رد الفعل الإسرائيلي الفوري على ثورات الشرق الأوسط كان السعي إلى تحالفات عدة، بما في ذلك عمليات انتشار للقوات الإسرائيلية، ومن بينها المناورات الإسرائيلية لتدريب المقاتلات والقاذفات في اليونان، المجر، إيطاليا، رومانيا والولايات المتحدة بالطبع.
وبالتوازي مع ذلك، تشعر إسرائيل بالقلق الشديد من جراء تأثير استمرار الأزمة العالمية على صناعاتها الحربية، فهي في عام 2009 كانت تحتل المرتبة الرابعة كأكبر مصدر للأسلحة والمعدات الحربية على المستوى العالمي، بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا. ومن هنا جاء النشاط الإسرائيلي المحموم، الذي تجسد في تعاون إسرائيل في ميدان إنتاج الأسلحة مع روسيا وكوريا الجنوبية وأستراليا والعديد من دول أميركا الجنوبية، وليس من المدهش أن نجد المسؤولين الإسرائيليين منغمسين في مباحثات مع كولومبيا لتصدير الدبابة «ميركافا» لأول مرة في تاريخ هذه الدبابة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تتعدد التحركات الإسرائيلية المحمومة، وبالذات على الساحة الأميركية، لقطع الطريق على تصدير أسلحة أميركية حديثة للعالم العربي، وذلك في الوقت الذي تستعد فيه إسرائيل للتزود بأسراب من الطائرة «اف 35» التي لا تزال تجارب التحليق تجرى عليها حتى الآن.
وربما لا نبالغ إذا قلنا إن السنوات القليلة المقبلة ستشهد تعاوناً وثيقاً بين إسرائيل والولايات المتحدة لم يسبق له مثيل على صُعد مختلفة، ومن يرد التأكد من ذلك، فما عليه إلا أن يلقي نظرة على التقارير الأولية الصادرة عن عدد من مراكز الأبحاث الأميركية، وفي مقدمتها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، والتي يشير معظمها إلى بوادر لتعاون أكثر من وثيق بين الجانبين على امتداد المنطقة.
حقاً، إنه لصمت صارخ ذلك الذي يبنون جداره في تل أبيب، وعلينا أن نتأهب لكل ما سيلده هذا الصمت من اعتداءات ومؤامرات، اليوم قبل الغد.