بعد الصيفِ، سنتابع انتخاباتٍ رئاسيةٍ في تونس ومصر، ستختلفانِ عن المألوفِ العربيِّ في مثل هذه الانتخابات التي لا وظيفةَ لمواسِمها سوى إِبقاء الرئيس رئيساً، وكان جديدُها في جيبوتي قبل أَيام، وفاز فيها الرئيس عمر جيلة بولايةٍ ثالثة، أَتاحها له «إِصلاحٌ دستوري» قبل عام، وهو الرئيسُ في ولايتين منذ ‬1999. وفي المأْلوفِ المتحدَّث عنه، لم يحدُثْ أَنَّ مرشحاً هَزَمَ رئيساً عربياً، منذ بدأَ الأَخذُ ببدعةِ الانتخاباتِ الرئاسيَّةِ التعدديّة، والتي يعودُ اختراعُها العربيُّ إِلى معاوية ولد الطايع (ما أَخباره؟) في ‬1992، لمّا شرعَنَ رئاستَه بالانتخابِ المباشر وغلبَ (منافسيه) في الوصولِ إلى القصر الرِّئاسيِّ في نواكشوط، ثم راقت له اللعبة، فتجدَّد انتصارُه في ‬1997 و‬2003، وربما كانت ستسنحُ له ولايةٌ رابعةٌ لو لم يخلعه انقلابٌ عسكريٌّ. وفي موريتانيا أَيضاً، حدث استثناءٌ عربيُّ، لمّا تنافسَ في انتخاباتٍ رئاسيةٍ نزيهةٍ ‬19 مرشحاً لم يكن منهم أَيٌّ ممن أَطاحوا ولد الطايع، ثم تساجلَ المتقدِّمان في جولتِها الأُولى في مناظرةٍ تلفزيونية، غيرِ مسبوقةٍ عربياً، وفاز سيدي ولد الشيخ عبد الله. وبعد عامٍ وشهور، عادت موريتانيا إِلى المأْلوفِ إِيّاه، بعد انقلابٍ ترشَّح زعيمُه لاحقاً في انتخابات رئاسيةٍ نافسَه فيها ثمانيةٌ وهزمَهم، وأَرادَ فوزَه ذاك في الذكرى الأُولى لنجاحِ انقلابِه.

هو الأَرشيفُ إِياه يستدعي نفسَه، وفيه أَنَّ فوز الرئيس السوداني عمر البشير قبلَ عامٍ في انتخاباتٍ رئاسيَّةٍ في بلادِه، لعلها الثالثةُ من نوعِها في عهدِه، دلَّ على البديهية المؤَكدَّة في النظام الجمهوريِّ العربي، وهي أَنَّ على هذه الانتخاباتِ أَنْ تكونَ طقوساً اقتراعيةً ومبايعاتٍ دورية، فلا يُخفقُ فيها الرئيسُ أَمامَ منافسيهِ من رعاياه. وفي البال أَنَّ زين العابدين بن علي الذي فهم التونسيين عشيَّة خلعِه، أَنجز انتصاراً مؤَزراً، قبيل الفوزِ الجديدِ للبشيرِ بشهور، في «سباقٍ» انتخابي مع ثلاثةٍ من مواطنيه. وكان «تعديلٌ دستوريٌّ» قد أَتاح له خوضَ ذلك السباق، لتصيرَ له ولاياتٌ جديدة، بعد التي يسَّرتْها انتخاباتُ ‬1994 و‬1999 و‬2003. وأَراد حسني مبارك تجريبَ اللعبة، وقد ملَّ المصريون، وجميعُ العرب، الاستفتاءاتِ من النوعِ إِياه منذ أَجرى أُولاها جمال عبد الناصر في ‬1955، فقامَ بتفصيلِ التعديل الدستوري الذي أَباح لاحقاً لتسعةٍ من رعاياه أَنْ يُنافسوه في انتخاباتٍ معلومةِ التفاصيل في ‬2005، ليس منسيّاً أَنَّ أحدَهم جهرَ بأَنَّه كتبَ في ورقة الاقتراعِ اسم مبارك، لأَنَّه الأَصلح.

لم يجترحْ فخامةُ الرئيس الجيبوتي عمر جيلة جديداً عربياً، إِذن، لمّا فاز في الموسم الانتخابي الجديد في بلادِه، وتبارى (؟) فيه مع منافسٍ وحيدٍ مستقل، قرأْنا أَنَّه مدعومٌ من بعضِ المعارضة، وسطَ مقاطعةٍ واسعةٍ من المعارضةِ الأَعرضِ التي تظاهر أَنصارُها، قبل شهرين، مطالبين باستقالةِ الرئيس، وسقطَ منهم قتيلان. وكانَ لافتاً أَنَّ جيلة صرَّحَ بعيد الفوز إِنه يعتقدُ أَنَّ شعبَه فهمه، في إشارةٍ، ربما، إِلى «وجاهةِ» التعديل الدستوريِّ الذي أَباح له الولايةَ الجديدة. وكان تعديلٌ في الجزائِر قد أَتاح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة موسماً انتخابياً ثالثاً، هزمَ فيه في ‬2009 من ترشَّح قدّامه. أما الرئيس علي عبد الله صالح، فكانَ طريفاً إِعلانُه أَنَّه لن يترشَّح لولايةٍ جديدةٍ في انتخابات ‬2006، ليقودَ السفينةَ في اليمن غيرُه، بتعبيرِه، ثمَّ مكثَ قائداً للسفينةِ التي لا نعلمُ أين سترسو في غضون المطالبات الراهنة برحيلِه.

يسَّرت انتخابات جيبوتي استدعاء تلك الوقائع من أَرشيف الانتخابات الرئاسيةِ العربية، وفيه مزحةُ الراحل ياسر عرفات، لمّا أَرادَ انتخاباتٍ تعدديةً في ‬1996 يختارُ الفلسطينيون فيها رئيسَهم، ونافستْه في تلك الواقعة سيِّدَة فلسطينية، لم يكن ممكناً أَن تهزمَه، كما لم يكنْ ممكناً أَنْ لا يفوزَ عمر جيلة، قبل أَيام، مع تباعدِ الأَحوال والمسافاتِ بين فلسطين وجيبوتي.

 

معن البياري