لا أعرف ما إذا كان غيري يشاركني هذه الرؤية أم لا، ولكنني متفائل حيال العراق، ليس بفعل تشكيل حكومته، بعد مخاض قياسي دام تسعة شهور، وليس في ضوء المتوقع من هذه الحكومة، ولكن لأنني وكل عربي محب للقطر العراقي الشقيق لا نملك إلا أن نتفاءل، ولأن البديل هو سوداوية في امتداد المحيط، ليس لها أول ولا آخر.
متفائل بمستقبل العراق، على الرغم أنني أعرف أن هذا البلد، الذي اخترع الحزن، وتغنى به عبر امتداد هائل من المواويل والقصائد، يقع تحت وقر احتلالين، أحدهما معلن، يتباهى بقبحه في الدروب وعلى المنابر، ويعلن عن مواعيد للرحيل، فيما يواصل تكريس حضوره وبناء قواعده ومراكمة مصالحه، التي يسعى إلى تحقيقها، واحتلال يتبارى الجميع في السكوت عنه، رغم أنه يفقأ كل العيون بمخرز الحضور اليومي السافر.
متفائل بمستقبل العراق، رغم أننا جميعاً نعرف أنه ما مر عام إلا والعراق فيه جوع، وأن هذا البلد الذي يعانق نهرين من ماء وثالثاً من نفط لا يدري كيف سيسدد ديونه، ولا متى ترفع لعنات الماضي عن كاهله، وكيف يتاح له التخطيط للحد الأدنى من التطلع إلى مستقبل لا يلوثه رماد البارود والانفجارات ودوي السلاح، الذي لا يدري أحد لماذا تطلق نيرانه التي لا تشق طريقها إلا إلى صدور عراقيين أبرياء، كل ما جنوه أنهم سعوا إلى قوت يومهم في مستهل أيام ضنينة.
متفائل بمستقبل العراق، رغم أنني أعرف أن التحسن في الوضع الأمني العراقي في الفترة من 2007 إلى 2009، يمكن أن ينتكس إلى النقيضين، في أي لحظة، وأن هناك دزينة على الأقل من السيناريوهات المحتملة للسقوط في هاوية الحرب الأهلية، تبدأ من أشباح اغتيال القيادات، ولا تنتهي بسمادير الانقلابات العسكرية، مروراً بأسوأ كوابيس الحياة السياسية العربية.
متفائل بمستقبل العراق، رغم أنني أعرف النمط الناظم الذي تمر به أولويات المصالح التي يحرص الأميركيون على تكريسها في العراق، وأولها ألا يخرج العراق يوماً إلى رحاب القوة والعافية والحضور المؤثر لأنه ينبغي، وفق التصور الأميركي، أن يظل تابعاً وهزيلاً ومنكفئاً وبحاجة إلى الاستناد إلى الخارج، كما أنه لا ينبغي له التردي أمنياً حتى النهاية بما يعرض المصالح الأميركية في المنطقة بأسرها للتضرر، ومن ثم فوضعه المثالي هو أن يكون حليفاً مزدهراً للولايات المتحدة، يجيد الانصياع لما يوجه له من أوامر ونواه وتعليمات.
متفائل بمستقبل العراق، رغم أنني أعلم أن المهام التي يتعين عليه إنجازها، قبل استشراف آفاق هذا المستقبل، تكاد تكون أقرب إلى الاستعصاء والاستحالة في ظل ما يعانيه العراق اليوم. فمن أين له ضمان الحد الأدنى من الأمن لأبنائه؟ من أين له أن يكفل لأبنائه لقمة عيش تصاحبها الكرامة في ظل من يعكفون على نهش هذا الوطن الذي تعاورته السكاكين في عالم غدا غابة يحكمها منطقها الوحشي؟
هل سيتاح له إصدار قانون النفط الذي غاب طويلاً وراء الأفق؟
هل سيتاح له أن يحاصر التوترات بين العرب والأكراد؟ هل سيتاح له أن يعيد بناء بنيته التحتية التي أصبحت تنتمي إلى عهود الظلام بامتياز؟
متفائل بمستقبل العراق، على الرغم من أنه أتى ذلك الحين من الدهر الذي أصبح فيه أكثر رموز الماضي ارتباطاً بالعمالة للأجنبي يعدون الشرف مجسداً، إذا قورنوا بقيادات عادت إلى الوطن على دبابات الغزو، وتجد اليوم من حقها أن تتصدر للزعامة والقيادة، في زمن تدهور وترد وانهيار.
متفائل بمستقبل العراق، رغم كل شيء، لأنني أؤمن بالإنسان العراقي وبقدرته على النض ال، على الصمود، على التضحية، على أن يجعل عراق الغد يتخطى كل أنهار الدم ومفازات الموت وغايات المعاناة.
نعم، متفائل ورب الكعبة.