كثيرون اتهموا الحملات الانتخابية بالمبالغة وتجاوز الحيز المتاح، والبعض كان حادا في إبداء رأيه فوصف أصحابها بالجهل وقلة الدراية، وبعض الذين لا لهم ناقة ولا جمل، ويسألون دوما ما المطلوب منا؟ هل نرشح، أم نحفظ رؤوسنا من الصداع؟ رفع صوته أيضا في وجه البرامج والحملات الانتخابية، هازئا من أحلامها الكبرى.

صرف أغلب المترشحين لمقاعد المجلس الوطني على حملاتهم الشيء الفلاني من الدراهم، لوازم الدعاية والإعلانات ويافطات الشوارع والخيم والبوفيهات، والكاتوهات والبيتي فور والعصائر والمشروبات الغازية.. إضافة إلى استهلاكهم المكالمات، الأمر الذي سيدر المزيد من العوائد على شركتي اتصالات ودو..، بعضهم تسلف، وبعضهم اعتمد على تبرعات الأهل وتكوين جمعيات أسرية، وبعضهم حط "تحويشة العمر وهي شويه"، لكن دفع بها من أجل المواطن والوطن والقضايا التي وعد أن يرفع يده من أجلها في جلسات البرلمان، حال وصوله إلى مراده وعند ذلك الموقع..

كثيرون كانوا في البداية، وبعضهم ما زال يمارس النقد اللاذع تجاه المترشحين، الذين لا شك أنهم يعانون هذه الأيام من ضغوط إنجاح حملاتهم الانتخابية، وهي ضغوط صحية، ومهمة، وستسهم بلا شك في المستقبل، بمزيد من الخبرة.. لكني، ومع أني لا ناقة لي ولا جمل في الموضوع برمته، ولا يحق لي الترشح ولا حتى الترشيح، إلا أنني أجد نفسي مع كل مرشح ، ومع كل حملة، مع كل جملة ومع كل سطر وكل كلمة، حتى وإن تجاوزت حدود الإمكانيات، والصلاحيات.. لأمر واحد فقط، لا عديل له، وهو أن كل هذه الاطروحات لم تذهب إلى الفراغ ولا إلى العدم لتجلب قضايا ومطالب وطموحات وأمنيات ليست لها علاقة بواقع الوطن والمواطن، حتى وإن ارتفع سقف وعود الحملات بما لم نعتده، لكن كل ما طالب به المترشحون، ورفعوه شعارا، هو من الواقع، ولم يفارقه قيد أنملة..

فمن نظن أنه بالغ وتجاوز حينما وعد بتوزيع الوظائف والأراضي والمشاريع وبنى المستشفيات وحل معضلات الواقع وبنى المستقبل في حملته، جلب هذا من طموح الوطن والمواطن ولم يجلبه من فراغ... وإذا ما دققنا في العناوين العريضة والفرعية، سنجد أنها لم تخرج عن دائرة هم المواطن وطموحه.

فما المانع أن يكون للمواطن بيتان، وأن يكون له راتب مضاعف، وأن تتوفر له الخدمات (الفايف ستار)؟ ما المانع أن تصدح أصوات المترشحين بما يدغدغ أحلام الوطن والمواطن؟ ليس هناك مانع.. صحيح سنقول إن هذا يتجاوز الواقع، لكن من قال إن الواقع يجب أن يبقى ويترسخ على هذه الشاكلة؟ لأنه وبكل وضوح، نحن نسير أصلا إلى بلورة برلمان منتخب بالكامل، في سلسلة خطوات التأهيل والتطوير، فإذا ما قفزت الطموحات والأماني فهذا أمر طبيعي..

لهذا أدفع بصوتي من خارج اللجان ومن خلف أسوارها، لأهبه لكل الذين تقدموا رجالا ونساء للدورة الانتخابية الجديدة للمجلس، مع ألف بوسة على الخشم والراس.